Merdeka!


أغسطس 31st, 2010

في البدء؛ كتبتُ بِضعَ كلمات عن يوم الاستقلال الماليزي بما لا يُعدّ سوى مشاركة عادية في هذا اليوم. فيما بعد، و حين كنت أتابع تقريراً حوْل انخفاض عدد واضِعي العلم الماليزي على السيارات -بأنواعها- أو أسقف البيوت على الرغم من أنه يوزّع مجاناً كل أغسطس. لاحظتُ كذلك أنه ماعادت المباني الخاصة أو الحكومية تتبارى في وضعه كالسابِق بشكلٍ يدعو للتأمل و الافتخار. كان التقرير التلفزيوني يتساءل عن الأسباب على الرغم من أننا -ذلك الوقت- نعيش الثلث الأخير من أغسطس. لا أدري حينها لمَ تبادَر لذهني موضوع “الانتماء”، و أعلم أنني تحدّثت في هذا الأمر بشكلٍ مُبالغٍ فيه. ليس هنا فقط، بل ربما دخل في حوارات جانبية مع الأصدقاء -مؤازر بالتحديد- أيام حديثنا عن أسطول الحرية و المصير الذي آل إليه، ثم ما تعنيه القضيّة بالنسبة لنا.

في الزمانات السابقة، و في إحدى زياراتي السابقة لجدي لأمي -رحمه الله- أراني سلاحاً كان يستخدمه إبّان الاحتلال الياباني -الكريه- على ماليزيا. كان يحكي بوجعٍ ظاهرٍ عن معاناتهم تلك الأيام، ألم أن يُسلًب منك كل ما كنت تملكه، فهرُ أن يُساوِمك آخرون و يخيّرونك بين حياتِك أو مالِك و شرَفك، يُغلَب على أمرِك فإما أن تُدافِع و تموت على أيديهم، أو تشتري حياتك و تموت قهراًً!. حكى لي جدّي عن الآلام التي تعرّضوا لها، التخريب الذي كان و الذي أثّر سلباً على النواحي الصحية و الأمنية، بغضّ النظر عن تخريب البنية التحتية و محاولاتهم طمسِ الهويّة الماليزية. ذات الوقت كان يحكي عن البطولات الشعبية، عن اعتزازهم بأنفسهم و عدم الانصياع لأوامر المخرّب الياباني. أمي من جهةٍ أخرى كانت تحكي عن أساليبهم الدنيئة في التخلّص من الشعب الماليزي؛ بدءاً من تسميم مياهِ الأنهار التي يعتِمد عليها الماليزيّون، و انتهاءً بقصص اغتصابهم للفتيات العذراوات. هذا الأمر جعلني -حتى اليوم- لا أقبل أي شيء ياباني مهما كان العالم حولي منبهِراً بالقوة التي تعيشها اليابان هذه الأيام. أتذكّر هنا ما كتبه “مريد البرغوثي” في “رأيت رام الله

الإحتلال يمنعك من تدبّر أمورك على طريقتك. إنه يتدخّل في الحياة كلّها و في الموتِ كلّه. يتدخّل في السهر و الشوق و الغضب و الشهوة و المشي في الطرقات. يتدخّل في الذهاب إلى الأماكن و يتدخّل في العوْدة منها

قبل عهد الاستقلال؛ قرر والدي -رحمه الله- زيارة الأراضي المقدّسة لأداء فريضة الحج مع جدته -رحمها الله- و التي قررت فيما بعدُ الاستقرار فيها نظراً لطول المسافة التي قطعاها بحراً و المدّة المُستَغرقة زمنياً، و ربما كانت الأوضاع السياسية غير المستقرّة نتيجة للاحتلال البريطاني الذي كانت تعيشه البلاد سبباً آخر. إضطراراً؛ كان والدي -رحمه الله- يملك جواز سفرٍ أزرق يُشير إلى دولة الاحتلال، و مازالت والدتي تحتفظ بجواز السفر ذاك ضِمن الأوراق الرسمية و الرسائل التي تخصّه على الرغم من امتلاكه لجواز السفر الأحمر و البطاقة الشخصية فيما بعد. منذ أن غادَر أبي -رحمه الله- الموطِن و حتى وفاته في المهجَر؛ لم يزره! كنت أتساءل مِراراً بعد وفاته لمَ لمْ يزر موطِنه على الرغم من وجود بقية العائلة فيه، رغم الاستقلال و استتباب الأمن، و وجود الأملاك المُسجلة باسمه. و بين سنة و أخرى كانت جدّتي -رحمها الله- تزوره لأشهر ثم تعود لبقية أبنائها. في ذاتِ الوقت؛ لم يقبَل أبي بجنسية المَهجر التي عُرضَت عليه كما عُرضَت على آخرين تلك الأيام، و الحمد لله أنه لم يفعل. هل كان يقصِد أبي حينها بعْث رسالة لنا بحقيقة الانتماء؟ لا أدري. تِباعاً؛ كنا -و لازال بعضنا- نحمل ذات الجنسية، و بسببها قررتُ الاستقرار هنا. قرار العوْدة للوطن -و الذي اعترضت عليه أمي لزمن- لم يكن سهلاً، رغم ذاك فمازلت أعتبِره القرار الأصْوَب في حياتي.

ربما اختلف الوطَن عما كان عليه في السابِق، ربما حادَ كثيراً عن الخطة التي اتفقَ عليها الشعب، ربما أصبَح في يدٍ غير آمنة؛ لكنه يبقى الموطِن! الآن، و قد مضى عليّ هنا عشر سنوات؛ يلحّ عليّ سؤالان: “أين مكاني منه؟”. ببساطة؛ ثمانُ سنواتِ انقضَت شِبْه هباء رغماً عني، سنة احتجتها لأفيق من صدمة إنفاق ثمانِ سنوات فيما لا يستحقّ، و سنة أخرى للوقوف على “حيلي” و استكمال ما توقّفتُ عنه.

صلوات و دعاء لأبي الذي زرَع فينا حبّ هذا الوطن، صلوات و دعاء للمحاربين الذين ساهَموا في الاستقلال، صلوات و دعاء لـ”تنكو عبد الرحمن” الذي جاهَد من أجل حرية بلا دماء، دعوات لا تنتهي لمهاتير. و صلوات و دعاء للوطن الذي لم يُغادِرني منذ عرفت العالم، للوطن الذي ما أن زرته لأول مرة في الثالثة عشر من العمر حتى عقدنا سوية صفقة الحياة، للوطن الذي سكَن القلب و استوْطَنه على الرغم من أنني عرفته متأخراً،  للأرض التي اقترن إسمها بي و أضحت فخراً و انتماءاً عائلياً. كل حرّية و أنتَ بخير

3 people like this post.


29 أمنية في صندوق


أغسطس 28th, 2010

تحذير صحّي 1: هنا كمّية هائلة من الثرثرة الشخصية قد لا تعنيك أبداً.
تحذير صحّي2: كُتبَت هذه التدوينة تحت تأثير امتزاج الفنتولين بالكافيين مما يسبب فرط الكتابة التدوينية :$

قبل شهر؛ قررت أن أكتب لائحة الأمنيات، قائمة الأماني، طلباتي الصغيرة، أو الـwish list. كطفلة صغيرة؛ بحثت عن النواقِص في حياتي، طلباتي القديمة، الجديدة، البعيدة مني، السهلة و الصعبة المنال، القريبة… إلخ. كنت أكتبها بسهولة في بداية القائمة، و كلما تقدّمتُ في الرقم؛ كلما كان عليّ التنقيب أكثر و أكثر عن أمنية. كانت الأشياء تتوالى في رأسي؛ ابتدأت بأكثرها إلحاحاً، و أتت في آخرها الأخف طلباً، و ربما الأقل أهمية. هذه المرة؛ أردتها حسب سنيّ العمر الذي فات و السنة التي أعيشها. على ورقة صغيرة كثُرَت فيها الطيّات و الانحناءات من كثرة فتحها و الكتابة فيها ثم تخبئتها في جيب محفظة النقود. تسعة و عشرون أمنية؛ رصفت فيها كل شيء -ربما- كان من المفترض عليّ عمله قبل سنوات، هي ما توقّعه المحيطون بي حتى بتُّ أريده من أجلهم، أردت بها تعويض خيباتهم جرّاء انتكاساتي التي فاجأتهم بها، و بقِيْتُ أنا.. أين مكاني من تلك القائمة؟ كان آخرها!.

ثَمّة نوعان من الشّقاء:
 الأول:  ألا تَحصلَ على ما تَتمنّاه ، و الثاني أن يأتيكَ و قد تأخّر الوقتُ و تغيّرتَ أنت و تغيّرتِ الأمنياتُ بعد أن تكونَ قد شقيتَ بسببها بضعَ سنوات

أحلام مستغانمي

مُضحِك أنني تذكّرت أمنية قديمة، قديمة للدرجة التي تذكّرتها في أول يومٍ من عملي الأخير، تلك الأمنية التي أخفيتها في قلبي ذات ليلة، ثم طفَحت رويْداً رويْداً على وجهي بلونٍ آخر كنقاط الكلَف الصغيرة على أنفي من تأثير التعرّض للشمس. في السنوات الأولى من العوْدة للوطَن؛ كانت الأمنية تلك وُجهَتي التي ما حِدْت عنها، لكنني حين مكثت أكثر أصبحت تكبر و تكبر و تكبر…. في القلب لا أكثر! بإلحاح؛ كانت تنمو في القلب، و في العقل؛ كانت أخرى و أخرى غيرها -و لا تشبهها أبداً- تكتسح المكان. العجيب؛ أنه لم تغِب الأمنية على أمي، على الرغم من أنها لم ترُقْ لها في البدء؛ لكنها تجاهلَت ما تريد للتذكّير بما أريد! و منذ أن شددتُ الرّحال؛ كانت تذكّرني بها، حتى في الوقت الذي شعرَتْ فيه بتخلّيّ عن أمنياتي القديمة، كانت تلوّح بها، لئلا أنسى أمراً وعدت ُنفسي به في وقتٍ سابق و فارقتُ مملكتها بسببه. أمي التي خِلتُها ذات يوم تفتح قلوبنا و عقولنا كل ليلة حين ننام لتعرف كيف نفكّر! نسيتُ أنها تعرفنا لأنها ببساطة “أم” نُفِثت حياتها في حياتنا.

It’s not about how to achieve your dreams, it’s about how to lead your life, … If you lead your life the right way, the karma will take care of itself, the dreams will come to you

Randy Pausch- The Last Lecture

و كالمُعتاد، أو -بالأصح- كما اعتاد الناس في يوم ميلادهم؛ أتساءل ما كنتُ؟، ما أصبحت؟ يلوّح -بلا استحياء- سؤال آخر أمام عيْنيّ؛ ما “أريد” أن أكون؟ ربما كان هو السؤال الأصعب في الحقيقة. و قررت ذات ليلة أن أتساءل؛ كيف سأشكّل العمر القادم؟ حسب المعطيات، الظروف، الأشخاص، و الأهمّ؛ حسب الإرادة. افترضت؛ أن لا عذر حقيقيٍ “لي” الآن، كما أفعل معه هذه الأيام و أصعّب كل شيء مهما صغُر بصفاقة! حان دوري لأزيح ذاك الدلال السابق الذي كان يُسبِغه عليّ والدي -رحمه الله- و تبِعتْه أمي في ذات الطريقة. حان الوقت -و ربما فات الأوان- لأنْ أفهم أشياء كثيرة؛ أنّ الحياة ليست على ما أهواها غالباً، أنّ الأصدقاء  و المحيطين بي -مهما بلَغ حبهم- ليْسوا كوالديّ، و كان أكثرها صعوبة؛ أن أعي حقيقة: أنني إن كنت يوماً أعني الرقم “1″ و الأكثر أهمية لدى والديّ -بالفِطرة الأبوية- فليس بالضرورة أن أكون كذلك لدى الآخرين. لزِِمني الأمر ثمانية و عشرين عاماً لأن أفهم ما “أنا” المخبّأة في قلب أمي، احتجت خمسة سنواتٍ و أكثر لأفهم “لمَ تغضب أمي حين أخفِق” تماماً كما أفعل حين يُخفِق “مجاهد”، أربع سنواتٍ و نصف لأعرف معنى أن يكون لي أخت/ أخ مقرّب تماماً كما هي “دانة” التي لا يهنأ لها يوم دون شجارٍ أو لعبٍ مع أخيها، و بعد عشرِ سنوات؛ عرفت أنّ الأمنيات لا تلبث تتبدّل، بنا أو بغيرنا. مزعج -بل مزعجٌ جداً- أن اليوم بات عليّ فِهم كل شيء، تقبّل الأعذار، و تفهّم كل الظروف للدرجة التي أصبحت أقرأ “please understand” في رسائله بكثرة. باتَ تفهّم كلّ المرات التي يُهاتِفني فيها يكون المكان حولَه مزعجاً؛ دائماً هناك صوت يعمل كخلفيّة لأحاديثنا و نقاشاتنا بما أنه لا يُطيق الهدوء أو أن يكون وحده مهما قصُرَت المدة. هذا الأمر يُربِكني و يشتت تركيزي في أي حديث نتبادله، و كم من المرات سألته عن حبه للازعاج و وجود الناس مِن حولِه. إلى أن سئلْت ذات يوم “كيف تتحمّلين هذا الكمّ الهائل من الهدوء و الوِحدة حوْلِك؟”. سائلي نسِيَ أو تناسى أننا لعدّة أيام تناقشنا وضْع الصديقات هنا؛ حالاتهنّ الاجتماعية، أفكارهنّ، أحاديثنا و ما الذي نخرج به من اجتماعاتنا المتكررة و التي قد تمتدّ لساعاتٍ متأخرة من الليل، وانتهَى بنا الحال إلى لا شيء مفيد فالصديقات يعنين لي رائحة الأهل، يعنين لي سنواتٍ من العمر لا تُمحى، يعنين لي على الأقل “عزوة” في مكانٍ بعيد عن الأهل. سائلي كذلك تناسى أنني عذراوية تهتمّ بتفاصيل الأشياء حولها، لذا؛ فالزحام يُتعِبني و الأصوات العالية تمنعني من التركيز فيما أقول أو أفكّر به. لا أنكر أنني أتحوّل إلى كائن صاخِب بلا مقدّمات، لكن هذا لا يحدث إلا للانشغال عن أمرٍ ما أكره القيام به -كغسل الأطباق مثلاً!- أو رغبة بعثِ شيء من الحياة في بيتي الفارِغ إلا مني. إقتنع بعدها بأنّ عقلي المزدحِم -دائماً- يحتاج إلى هدوء يرتّب بعثرته و يلملم شعَثَه و “كلّ إنسان يبحث عما ينقصه”!

You know you’ve read a good book when you turn the last page and feel a little as if you have lost a friend

Paul Sweeney

الزّهيرزيتون الشوارعالجبل الخامس… قائمة مما أقرأ هذه الأيام، شيء من هنا و شيء من هناك، و النتيجة؟ تشتت للأفكار و عدم تركيز في القراءة. اكتملت الحالة بـ”احتمال وارِد” و صرخة المفاجأة حينما أرانيها “أحمد بدرة” في إحدى لقاءاتنا، صرخة اقترنت بـ”من فين جبتو؟ من أول أدوّر عليه، دا حق خالد! أعرفو دا الولد و عندي في الفيسبوك!” . شعرت بعدها بكمية من “العبط” ربما كان سببها طيّي “خالد الصامطي” في قائمة الأصدقاء منذ أن قرأت “الحبَق الحافي” في مدونته،  و منذ أن كنا أصدقاء في المجتمع “الفيسبوكي” على الرغم من أننا لم نتبادل أي حديث شخصي، هكذا فقط. ثم.. في ركن من شاشة الكمبيوتر يقبع ملف “ضوء مرّ” الذي أرسلته لي “غادة خالد” إلكترونياً. تراوِدني نفسي أن أبدأه، و أمتنع؛ مازِلت أمنع نفسي عن فتح صفحاته، فقراءة الذين أحبهم تعني لي قدسية أخرى، إنه انعتاق، فصل للمعرفة القلبية، فصل لهالة الصداقة و ما أقرؤه. و في حالتي هذه؛ أردت مُصالحة عقلي قبل البدء في أي شيء. كتبٌ أخرى ماتزال على الرّف كنت حين طلبتها أتمنى قراءتها بشدّة، و وجدتني حين امتلكتها أتصفحها لا أكثر!. أخيراً؛ استقرّ الأمر على “رأيت رام الله” الذي قرأتُ اقتباسات عديدة منه على Goodreads، ثم ما كتبته العزيزة منال في مدوّنتها عن ذات الكتاب. على الرغم من أنّه قبعَ على الرفوف لما يُقارِب الشهر؛ لم أكن متشجّعة لقراءته، خاصة و أنني في وقتٍ مُقارِب أنهيتُ “أعراس آمِنة” و احتجت لشيء ما ليس له صِلة بفلسطين و لا “باولو كويلو”، و لهذا التأخير الطويل؛ أشعر بفداحة خطأِ تركِه كل تلك الفترة.

See yourself through the eyes of those that love you. You’ll find those eyes are much less judgmental

TheLoveStories

منذ بدء 2010 تغيّرت أكثر بانتقال الصغيرين من مدينتي إلى أخرى تبعد ساعة و ربع، كان عليّ حينها التأقلم مع ظروفٍ أصعب مما توقّعت كوْننا لا نلتقي سوى في الإجازات الأسبوعية، و عِشتُ بسبب ذلك حياةً لم أعتدها من قبل.  على ناحية؛ يُسعِدني هذه الأيام الحوار الذي لا ينتهي بيني وبين صغيريّ إلا بقرار النوم!، و أحمد الله كثيراً أنّ لديهما الجرأة على الانتقاد و النقاش حتى لو كان الأمر يختصّ بأوامري أو القرارات التي أُمليها عليهما. هذا الأمر كنت أتمنى أن أمارِسه حين كنت في سنوات المراهقة، على أني لم أعِش في بيت ديكتاتوري، فعلى العكس من ذلك كانت أمي تتقبّل آراءنا وتستمع لنا كلما سمح لها الوقت و الحال؛ لكنني كنت أعيش حالة الرهبة من أن يُرفَض رأيي بشكلٍ عام، و لم أكن أقبل أي اعتراض على رغباتي. ببساطة؛ شيء من الكبرياء -الزائد عن اللزوم- كان -و مازال- يغطيني فكنت لا أدعُ مجالاً للنقاش مع الكبار أو الآخرين، و لا أطلب أمراً من أحد ما أكثر من 3 مرّات!. صغيريّ غيّرا هذا الشيء فيّ و تعلّمتُ منهما متعة الاستماع و النقاش أكثر و أكثر مهما صغُرَ الأمر. ربما كان تَركي المجال مفتوحاً أمامهما دور في ذلك؛ فمن الممكن أن تسمع أحدهما -و خاصة دانة- لا تجد غضاضة في أن تقول لي “عيب كدا يا ماما” خاصة حينما أقول لها “بس يا بنت!” فهنا على الأقل ترفض الصغيرة ذات الأربع سنوات و نصف أن “يُهمّش” إسمها و تُخاطَب بـ”بنت” بدل “دانة” و إن كانت مُخطِئة. المُضحِك في كل تلك النقاشات و الحوارات التي تدور بيننا حتى في الأماكن العامة؛ أنّنا نُلفِت الأنظار إلينا، فأصواتهما شبْه العالية في الأماكن العامة تجعلني رغماً عني أتغاضى عن تلك النظرات و التعليقات من المنزعجين منا خاصة في المطاعِم الهادئة جداً، و الجيّد أنني في أحايين أخرى أجِد نظرات الغِبطة و ابتسامات من الآخرين مُرفَقة بـthey are good kids! لاسيّما حين تصمم “دانة” على قراءة دعاء الأكل بكافة اللغات دون أن يمنعها من ذلك وجودها في مكانٍ عام، و يقرؤه “مجاهد” بالعربية فقط و بشكل سريعٍ مُضحِك يُشعِر مَن يراه أنّ لا وقت لقراءة الدعاء و الأكل أمامه!. أحمد الخالِق أكثر و أكثر أن ألهمَني فكرة إشراكِهما في أي شيء أقوم به و يقدِران عليه من مبدأ زرع الثقة في النفس و استغلال الحركة الكثيرة التي يتميّز بها الأطفال. بغضّ النظر عن ترتيب أشيائهما الخاصة، ففي رحلاتنا الأسبوعية يصرّان على استخدام البطاقات المخصصة لهما بنفسيهما و المجال مفتوح لهما حتى و إن تسبب ذلك بانتظار الآتين خلفي. خلاصة الكلام؛ أنني سعيدة باعتدادهما بنفسَيْهما في كل مكان و في وقتٍ مبكّر من العمر. من صغيريّ تعلّمتُ كذلك أنّ الأمر بشكلٍ حازمٍ -و المنتهي بالصراخ- وحده لا يُجْدي، و سنجد اعتراضاً ممن حولنا بالتأكيد. استخدمت طريقة زرع مبدأ التعاون في الطفل -و الذي لا أذكر أين قرأته- فيكفي أن أقول “مين يساعِد ماما؟” حتى أجدهما يُسارِعان في جمع الألعاب مثلاً، أو حمل الأطباق التي أكلا منها على الغداء، أو حتى البحث عن هاتفي الذي لا يكفّ عن الضياع . أراحتني كثيراً هذه الطريقة بدل الصراخ و تكرار الأمر بجمع الألعاب كلما قررنا الخروج مما يُفسِد مزاجي فيما بعد. ولو أردت أن ألخّص سعادتي فما حققته في العام الثامن و العشرين لحصرتُه في حبّ الصغيرين و رغبتهما في وجودي حولهما -وإن كان هذا بفِطرة البنوّة- فيكفيني إصرارهما الدائم في أن أقضي اليوم بأكمله معهما في الصالة بدل اعتكافي في غرفتي للقراءة مُرددان “ماما تعالي اجلسي هنا” و هما على حق، فما الذي يمنع من القراءة في الصالة؟.

You want something but you don’t want to try. It’s like you want to swim without getting wet

TheLoveStories

مابيْن أغسطس 2009 و 2010 استجدّت أمور كثيرة كان لها تحويل شيء من مسار الحياة التي أعيشها؛ علاقتي التي تقوّت مع صغيريّ و أمي و علاقتي بالآخرين، المنحنى الجديد الذي سِرت عليه في القراءة، ذوقي الموسيقي، الألوان التي اقتحمت خزانة ملابسي و أصبحت أرتديها أكثر هذا العام، ثقتي فيما أقوم به جرّاء استشعاري بمسؤوليتي عن نفسي عِوَضاً عن اعتمادي الكبير على أهلي، حديث الناس و نظرتهم التي ما عُدت أهتمّ بها كالسابِق، الطرق التي ابتدعتها في كسر روتين المدينة….. الخ. ثم، حين التقَيْتُ بأشخاص جدد؛ “يمان” التي كان لقائي بها قصيراً مشحوناً بالضحكات و أحاديث عن الأصدقاء و الحياة ومشروع تخرجها، “شهَد” التي كنت أعرفها مُسبقاً لكننا لم نكن على صداقة متينة إلا بعد ليلة الفالنتاين حين كنا نتدّر سوية على مَن حوْلنا. و على بُعدِ ثلاثة أشهر من بداية العام؛ انحرفت الحياة عن مسارِها مرة أخرى حين التقَيْتُ به بعد أسبوعين من انتهاء إجازة أمي و مغادرتها إياي، هذا التغيّر الأخير؛ مازِلت أعيشه بفرح و بخوفٍ أحياناً أخرى. بعض التغيّرات جعلتني أتساءل: لم نخاف التغيير و لا نتقبّله بسهولة؟ هو الخوف أكثر من الفشل، من الإخفاق خاصة حينما ترى ذاتك محطّ أنظار الآخرين أو -وهو الأصعب- كوْنك أحد الأفراد الذين يبنون عليك آمالهم. آخرون جمعتني بهم قهوة مدينتي في لقاءات قصيرة سعِدت بها؛ “نورة الشمسان” التي تبادلت معها و “ريما” أختها أحاديث كثيرة لم تنتهِ إلا برغبة مطعم/ بار The Apartment بإغلاق المكان “نورة” -التي كانت تردد حين وآخر “ياحبي لك” بلهجتها النجدية والتي أحببتها -لأول مرة – أغرقتني بحميمية أشعرتني بمعرفة قديمة على الرغم من قِصَر الفترة التي تبادلنا فيها أحاديث و تعليقاتٍ خاصة. بشكلٍ عام؛ صيف هذا العام -على قِصرِ مدّته- كان تجربة جميلة، عِشتُ تجربة أجواء العائلة الكبيرة مرة أخرى، العائلة التي أسستها والدتي مع أبي -رحمه الله- و لا تستطيع هي تخيّل الحياة بدونها. هل كانت أمي تتخيّل ذاك العدد من الأبناء و الأحفاد حولها حين هاجَرت قبل ما يُقارب الخمسين عاماً؟ بينما أنا التي اعتدت على عائلتي المكوّنة مني والصغيرين؛ وجدتني -فجأة- بصحبة ثلاثة أضعاف عددنا، ثم “باسم” الذي كان قد قرر الدراسة هنا و اضطر للعودة بعد وصوله بعشرة أيام، ثم صغيريّ.. و الأصعب حين كنتُ موزّعة بين العائلة و عملي الذي يستنفِذ في ساعاتٍ قليلة كل طاقاتي الذهنيّة.

إن العمر قبل الثلاثين عمرٌ مليء بالتجارب، و الإثارة، و التغييرات، و اكتشاف النفس و الأشياء، و لكن الوصول إلى الثلاثين يشبه الاضطرار إلى الانخراط في خطٍ أفقي

محمد حسن علوان (صوفيا)

أغسطس الحالي بما أنه يزامِن شهر رمضان غَدَا ممتلئاً بالأحداث؛ الرابع و العشرين منه يعني العام السابع عشر لوفاة والدي -رحمه الله-، ثم الأمس الذي يوافق السابع عشر من رمضان هو ذات اليوم الذي وُلِدنا فيه أنا و “مجاهد” بالتاريخ الهجري. في  الأسبوعين الأخيرين من الثامنة و العشرين اكتشفتُ ثاني شعرة بيضاء تنمو بإصرار وسط الشعر الأسود! هل من الجدير أن يعني ذلك شيئاً في عائلة لا تعترف جيناتها بالشعر الأبيض إلا بعد سنّ الخامسة و الأربعين؟ :$ بقي لي أن أغضّ الطرف عن كل شيء هذه الليلة و أراقب احتراق الشموع -التسعة و العشرون- المعطّرة الموزّعة في البيت، كنت قد ابتعتها خصيصاً لنفسي قبل عدة أيام، و اقتنيت مجموعة من عروض Malaysian Philharmonic Orchestra التي بتّ لسنوات أتمنى حضورها إلا أنّ أوقات عروضها لا تتناسب غالباً مع أوقات فراغي و إن حصل فلن أجد مرافقين وسط صديقاتي اللاتي لا تستهويهنّ هذا النوع من الموسيقى. الليلة؛ لا مكان لكل وسائل الإتصال، لا كتب، لا قهوة، لا شيء من المنغّصات..

http://www.goodreads.com/author/show/91373.Paul_Sweeney

5 people like this post.


رحيلك المُفجِع


أغسطس 24th, 2010

A father is always making his baby into a little woman.  And when she is a woman he turns her back again

Enid Bagnold

ككل سنة؛ يكون هناك ترقّب، منذ أن يبدأ العام، ينقضي ربعه، ينتصِف، ثم.. يُطلّ هذا الشهر، يوم و آخر، و أعلم أنّي سأعيش منتصفه.. يوم أن رحلت!

احتجتُ إلى حبة منوّم ليلة الأمس حتى أخلع من رأسي قبعة التفكير؛ منذ أن دعتني حنان للإفطار إهداءً لروح والدتها  و أنا أتذكر قائمة الذين أفتقدهم ككل المرات، قائمة الآباء و الأمهات الذين لا أرى لهم أثراً سوى في أبنائهم، أصدقاء العائلة.

و أنت.. أنت كان فقدك الأكثر إيلاماً و مفاجأة!. ككل الصغار؛ كنت أظن أنك ستبقى ما بقيتُ أنا، ستكون دائماً شاهِداً على كل ما يحدث، ستكون بالقُربِ حتى لو تظاهرت أنّ شجاراتنا لا تعنيك. لكنك لم تبقَ! و يُحرِجني السؤال: هل ستكون راضياً عني إن رأيت حالي الآن؟. فقط لو أنّك بقيت لأعوام أخرى، لو أنك بقيتَ حتى أقِف على قدميّ، لو أنك بقيتَ حتى أكبر، حتى ترى الصغيرين! أٌحوْقِل.. و أُسلّم الأمر له، وحده يعلمُ كيف سيكون الألم أكثر عمقاً إن بقِيت أكثر.

قبل أن أنام؛ قلتُ لها: بس كنت بقول لك “بكرة حُوْل بابا”. أمّنت على كلامي و هي تعلمُ ما الذي تعنيه تلك الجملة. بِضعُ كلماتٍ كافية لإحداث عاصِفة في عقولنا، كافية لاسترجاع كل الصور التي كنّا في إطاراتها، كافية لأن نبتلع غصة لم تزَل مرارتها.

سلام عليك حين حييت و حين متَّ و حين تُبعث حيّاً..

6 people like this post.


أجنّة بلا خطيئة


أغسطس 20th, 2010

شيء ما غير طبيعي يحدث هذه الأيام و زاد عن الحد المعقول؛ على الأقل هناك حالتيْ رمي أجنّة أو مواليد جدد يومياً باختلاف المناطق و المدن. الأمر الذي بتّ أرى أخباره في كل مكان، و أصبحت الجرائد الماليزية تنشر باستمرار عن ذات الجريمة، و البرامج التلفزيونية تناقش الموضوع. انتهى الأمر بسنّ قانون جديد يعتبر فيه المتخلِّص من الجنين قاتِلاً و يُحكم عليه بالإعدام شنقاً في حال موت الطفل، أو يُحكم عليه قانون الشروع في القتل إذا ماكان الجنين ما يزال على قيد الحياة. و في كل الحالات يتمّ التعرّف على الوالدين عن طريق حِمض الـDNA. المؤلم أكثر في الموضوع أن هذه الجريمة لا تزال مستمرة في شهر رمضان، وحسب رأي الشرطة فإن أغلب مرتكبي الجريمة من الماليزيين. ولاية ملاكا حاولت حلّ الموضوع بشكل جديد لا أدري إن كان يجدي نفعاً هذه المرة؛ و ذلك بتغيير السنّ القانونية للزواج من 18 سنة إلى 16 سنة للإناث و 18 سنة للذكور. هل سجعل القانون الأخير سبباً في تكاثر الآباء و الأمهات الأطفال أم أنه سيحدّ من عدد الأجنة المُتخلّص منها؟

2 people like this post.


لمَ؟


أغسطس 15th, 2010

حين التقيْنا؛ كانت محطة جديدة لنا الإثنين. كِلانا كان يمرّ بمنعطفاتٍ قد تكون خطِرة في الحياة. في أحاديثنا؛ ترددت الكلمة ذاتها كثيراً؛ تغيير، تغيير، تغيير.. ثم ماذا؟ كان عليّ إما السيْر على خطتي القديمة في الحياة أو الاستمرار في الخطة الجديدة التي وضعْتُها قبل أن ألتقيه. خِيارٌ آخر؛ أن يُضاف “هو” لخطة التغيير الجديدة تلك. هل حقيقة كان ثمّة خِيار؟

هو؛ كان دائماً رجل القرارات الصائبة، حتى السريع منها. دون تفكير؛ قرر أن أكون في حياته و يكون في خطتي، حتى و إن لم أقبَل! حتى في الوقت الذي طلبتُ منه مغادرتي؛ كان على مقربة مني، غير آبهٍ بما حصل. و يسألني في كل شيء “لمَ؟”. للحقيقة، للواقع، لـ أنا “الإنسان”، لـ هو “الإنسان”، ثقافاتنا، بيئاتنا، المحيطين بنا، عقولنا المتخمة أفكاراً، أصدقاؤنا، الأحداث…. و تطفو “لمَ” في كل شيء؛ “لمَ أحبك؟” “لمَ أنا؟” “لمَ أنت؟” “لمَ مازلنا معاً؟”

لديه؛ كل الأشياء لها مبررات، و أنا؛ لا أعرف إلا السكوت، ماعدت أسأل عن المبررات. الحب لا يؤمن بالمبررات يا عزيزي، كما في المرة الأخيرة؛ حين كانت الإجابة “مازلت أحبك!”. كالجنون؛ نمارِسه بلا مبررات، يومك المزدحم، ثم الوقت الذي تجد نفسك في الطريق إليّ كلما حطّت رِحالك في مدينتي.. لمَ؟

تأتيك الإجابة:
“Love doesn’t have a reason. If you have any, then it’s not love.
So stop asking why I’m still stuck with u
و لا تقتنِع!

7 people like this post.


نلعب “أمهات”!


أغسطس 4th, 2010

الحادي و الثلاثين من الشهر الماضي كان يوماً عجيباً لي و لأطفالي، كانت المرة الأولى التي أحضر فيها حفلاً أو مناسبة تنظمها روضتهم، و كنت في الحقيقة على تخوّف من تجربة كهذه. كلّ شيء علِقَ في الذاكرة؛ استعداد “مجاهد” نفسياً للعب مع فريقه و هروب “دانة” في اللحظات الأخيرة من المشاركة رغم ترجّي مدرّستيْها لها (حسسوني إن بنتي سوبر قيرل وماحيفوزوا من غيرها!   )، ثم مراقبتنا للأحداث و الانتظار الطويل حتى يحين موعد مسابقات “مجاهد”. إحساس مُغايِر لا أعرف كيف أصِفه، خاصة حينما تورّد خد “مجاهد” في الصورة أعلاه  لالتقاطي صوَرِه وسَط زملائه! و  شيء من الفخر بـ”مجاهد” لثقته بنفسه و هو الانطوائي و الهاديء أمام الآخرين غالباً، و الذي يجعل مديرة الروضة لا تصدّقني حينما أقول لها أنّ “مجاهد” Hyper-Active في البيت، و كنت أنا الأخرى لا أصدّق أنه لا يشارك الآخرين في إزعاجهم أو أحاديثهم. هذه المرة صدّقت أن مجاهد كبُر، و أنه على استعداد للاختلاط بالآخرين و يمكنه التغلّب على أمور قد لا تحدث في بيتنا عادة، بالأصح؛ أحسست أنني أم لطفل قادرٍ على تحديد قراراتٍ تناسِب سنّه، أنني أم في الحقيقة و الواقع و كأنني و صديقاتي كنا فيما مضى نلعب دور الأمومة كاللعب بالدمى سابِقاً.

في الطريق؛ كان الصغيران يُعايرانِ بعضهما البعض بأصدقائهم، “مجاهد” يردد: دانة تحب عِمران، و في المقابِل كانت “دانة” تردد: مجاهد يحب مَوَارْ (موار اسم ماليزي يعني Rose) مما جعلني أشعر أنّ المقصود هو “التفتين” لا أكثر. صحيح أنهما مازالا طفلين قد لا يعيان معنى الحب كما نعِيه نحن لكنني أردت أن أُشعِرهم أنه طبيعي أن يحب الولد فتاة و العكس. حينما وصلنا؛ طلبت رؤية ( عِمران و مَوار) حتى أتعرف عليهما (وبالمرّة أشوف ذوق أولادي ههههههه) لكنهما كانا غير موجودين للأسف.

بقية الصور و الفديوهات هنا على فليكر أو الفيسبوك للأصدقاء

4 people like this post.


سقَط بلا سهْو


يوليو 25th, 2010

المصدر

7:15 صباحاً
يدق جرس المنبّه و أشحذ منه خمس دقائق تباعاً حتى السابعة و خمس وأربعين دقيقة. أصحو فزِعة و أقرر ارتداء أي شيء لا يحتاج إلى كيّ!

8:00 صباحاً
- Good morning
- Morning Sani
- Newspaper?
- No please I’ll read it in my office, shall we go?
- Wanna pick up your coffee?
- Sure, as usual
و تبدأ الرحلة المكوكية و المسافة التي أقطعها خلال العودة في 20 دقيقة يصيبها نوع من “التمدد” إلى 50 دقيقة بفعل الزحام الصباحي.  خمسون دقيقة كافية لإغفاءات متقطعة و قهوة، و بالتأكيد مشاهدة الوجوه العابِسة في السيارات المتكدّسة.

8:50 صباحاً
أبحث عن بطاقة الدخول؛ أقلّب الحقيبة على عجل، وجدتها! و خمس دقائق أخرى أمام ذلك الجهاز “العتيق” حتى يتعرّف على بصمة سبابتي.

8:55 صباحاً
نفَسٌ، إيماءات و تحايا صباحية حتى أصِل إلى مكاني.

9:00 صباحاً
يصلني ما خُصص لي من أكوام الصحف اليومية. كوب قهوة، قراءة سريعة لكل العناوين، و خطوط فسفورية على المهمّ منها.

2:00 ظهراً
صداع! و أتذكر أنني نسيت أن أشرب ماءً أو آكل شيئاً في فترة الغداء! و غالباً تُحلّ الأمور بقهوة و “معمول”.

4:00 مساءً
إعادة بالمقلوب لكل ما حدث صباحاً! جهاز البصمة، البطاقة التي لا تفتأ تضيع، سائقي الذي يصِل قبل موعده دائماً.
-So, where are we going?
- Home
- Have you eaten?
- ummm NO!
- Wanna stop for take away food?
- No I’m ok

6:15 مساءً
أبحث عن شيء ما يؤكل.

7:00 مساءً
غفوة لا إرادية. و أصحو أكثر من مرة على اتصالاتهم التي باتت تترصّد غفواتي بالذات!

8:00 مساءً
نشرة الأخبار الرئيسية، تصاحِبها “ورقة و قلم” لتدوين أفكار لأعمال اليوم التالي كتوفير للطاقة الذهنية التي سأستهلكها.

9:30 مساءً
- Yes boss
- take me somewhere not crowded
و أنسى أنّ مدينتي “نهارية”، لياليها مطاعم، ملاهـٍ ليلية، و مقاهٍ على وشك الإغلاق. وحدها الأماكن المزدحمة متيقّظة!
- I’ll be there in 10
أغيّر رأيي في اللحظة ذاتها حين أتذكّر توسّلات جسدي بالراحة أكثر
- It’s alright, no where to go Sani! see you tomorrow morning

10:04 مساءً
هاتفٌ بلا صوت، عِطر للاسترخاء، كيس على هيئة نظارات محشوّ بسائل باردٍ، وسائد ملقاة على الأرض و أخرى صغيرة للرقبة فقط، آيات و سُوَر تُقرأ ككل ليلة.

شيء” ما سقَط بلا سهْوٍ طِوال اليوم دون أن تلتفت له الساعات.

8 people like this post.


Inception


يوليو 23rd, 2010

حلُم بداخله حلُم و بداخله حلم آخر، هذا ببساطة ما يقوم عليه فيلم Inception. هل من المعقول أن يستطيع أحدنا تقرير ما يودّ أن يحلم به؟

يصنّف الفيلم على أنه من أفلام الخيال العلمي الأميركي، كتبه وأنتجه وأخرجه Christopher Nolan. تدور الأحداث حول “دومينيك” أو كما ينادونه “Dom Cobb” وهو لص فريد من نوعه، مهمته الدخول في أحلام الآخرين لسرقة بعض المعلومات أو تغيير بعض الأحداث المستقبلية نتيجة للإيحاء الذي يعمل عليه من خلال الحلم. هذه المهنة حرمته عائلته و أطفاله وحتى البقاء في بلده لاعتقاد السلطات الأمنية أنه السبب في قتل زوجته. وعرض عليه رجل الأعمال الصيني “Satio” فيما بعد مساعدته و إنهاء معاناته إذا نجح في أحد الأعمال التي عرضها عليه من خلال زرع فكرة معينة في الضحية “Robert Fischer” و الذي يعد وريثاً لإحدى الشركات الأمريكية الكبرى.

وبما أنني من الأشخاص الذين لا يحلمون غالباً؛ كانت فكرة الفيلم مثيرة للتساؤل بالنسبة لي. غالباً لا أحلم إلا إذا كانت هناك فكرة ما “معششة” منذ زمن في رأسي، أو أنني خائفة من أمر ما. و أعتقد أن أغلبكم يمرّ بنفس الحالة، خاصة فيما يتعلق بالامتحانات النهائية؛ فعادة ما نحلم أننا في قاعة الامتحانات! آخر تجربة حصلت لي كانت بالأمس، بعد العمل احتجت إلى قيلولة؛ و كنت طوال اليوم أفكّر في طريقة ما “مشروعة أو غير ذلك” للحصول على إحصائيات و معلومات تفيدني في ملف/ ورقة عمل مهمة جداً من شأنها إثبات قدرتي في تنفيذ عملي، فكانت النتيجة مجموعة من الاتصالات و التي لم أخرج منها بشيء مفيد. في نفس الوقت كنت منزعجة من أمرٍ ما و في نفسي “مضاربة” لن أرتاح إلا لو حصلت أو تحدثت فيها مع أحد، و كانت المصادفة أنّ المعنيين بالأمر منشغلين بأمورٍ أخرى. باختصار؛ نمت و كل هذه الأمور تعتمل في رأسي و النتيجة كوابيس من الدرجة الأولى و خصامات انتهت باستيقاظي على صوت الهاتف   لذلك؛ حين قررت النوم ليلاً استعنت بعطر اللافندر الذي أؤمن جيداً أنه يساعِد على الاسترخاء والنوم بعمق.

بعد مشاهدتي للفيلم كنت أناقش الصديقين مؤازر و أحمد، أحمد لم يرُق له الفيلم و لا القصة على عكس مؤازر الذي أعتقد أن الفيلم بفلسفته تلك قد أعجبه. اعترض أحمد على الفترة الزمنية و التصوير البطيء المبالغ فيه جداً في آخر الفيلم حين تسقط السيارة/ الـvan في الماء لتكون إشارة استيقاظ أخيرة للحالمين. ذكر حينها مؤازر معلومة لم أكن أعرفها أنّ أي حلم لا يستغرق عادة أكثر من 10 ثوان، بينما نشعر في أحلامنا بأزمنة طويلة و قد نستيقظ لاهثين في حال كان هناك أحدٌ ما يتبعنا!

فكرة الفيلم “عششت” أكثر و جعلتني أفكر فيها كثيراً، شيء ما يدعوني لتجربة النظرية بشكل مبسط

4 people like this post.


أعراس آمنة – إبراهيم نصر الله


يوليو 14th, 2010

هل تعرف ما مصير الحكايات التي لا نكتبها؟
إنها تصبح ملك أعدائنا

هل تذوقتم طعم الفرح المسلوب يوماً؟ طعم العيش على أملٍ و حلم لا تدركون إمكانية تحقيقه؟ آمنة، رندة، لميس، و صالح عاشوا هذا الموقف. طعم الحرية المفقود في ظلّ الألم الرابض منذ سنوات، منذ أن وُجِدوا في هذه الحياة.

“أعراس آمنة”؛ مذكرات و حكايات ترويها شخوص الرواية بإسهاب. “رندة” التي تحكي لقاءها الأول بآمنة حينما طرقت بابها لأول مرة بحثاً عن بيت للإيجار فلم تجد سوى البيت المجاوِر معروضاً للبيع، و أصبحت فيما بعد جارتهم التي لا يفصِل بينها وبينهم سوى نافذة تحوّلت فيما بعد إلى باب. “آمنة” المفجوعة في “جمال” زوجها الغائب، تسرد له حكايتها التي لم يسمعها في حياته، تحدّثه عن طفليه “صالح” و “نادية”. “صالح” الذي كبُر و كبُر حبه لـ”لميس” رغم الفارق السني بينهما. “لميس” المفجوعة في “سامر” صبي الحارة التي تسكن فيها. بين السطور؛ قرأت حكايات الجدة و مآسيها، حزنها على زوجها الذي غادرها إلى البرازيل و ظَلّ يعِدها بالعودة؛ لكنه مات قبل أن يفي بوعده. “صالح” الذي لم يستوعِب معنى أن يستشهد أبوه، و بقي سنوات بعدها يقف في ذات المكان الذي استُشهِد فيه أبوه حاملاً صوره و يحدّث الناس عنه. حكايات و حكايات لا تتكرر في كل مكان، كل الحكايات هناك متشابهة، لكنها منفردة.

هناك أسطورة فلسطينية تقول: إن الله يخلق الإنسان من ترابين، تراب المكان الذي وُلِد فيه وتراب المكان الذي سيموت فيه

هل تعرف منذ متى أنتظر هذا اليوم؟!! منذ لا أدري، وأنا أعدّ على أصابعي، لكن ما يدهشني أن أصابعي لم تعد تنتهي، ولذلك بقيت أعدّ وأعدّ، ليلاً ونهاراً، حتى توقفت فجأة، وعندها انتبهت، وعرفت أنك قد كبُرت

كان يلزمنا قلوب أكبر كي تتسع لكل هذا الأسى

أحلامنا لم تكبر لأنها أحلام صغيرة منذ البداية. الأحلام، كل الأحلام تولد صغيرة، ولذلك، ليس غريباً أننا نحن مَن نرعاها طوال العمر. لو كانت الأحلام كبيرة لقامت بنفسها لترعانا

أظن أن الناس يحبون من أحبّوا على تلك الصورة التي رأوهم بها أول مرة، لأنهم يعرفون في قرارة أنفسهم، كما يقال، أن هؤلاء الناس سيتغيرون، وأنهم لن يكونوا أولئك الناس الذين عرفوهم، ولذلك يكونون مضطرين للاحتفاظ بالصورة الأولى

أسوأ شيء أن يباغتك الفرح رغم أنك تنتظره من زمن طويل

ليس هناك أصعب من فقدان الابن أو البنت أو الأخ أو الزوج الذي تحبين، أو أي عزيز عليك. والأدهى من هذا الفقدان هو موعده، إنه يأتي في الوقت الذي تتوقعينه أن يأتي فيه تماماً، لأن هذا الوقت هو كل لحظة، لكنه يكون مفاجئاً تماماً”

“أتعرفين يا أمنة متى يستسلم الانسان؟ يستسلم الانسان حين ينسى مَن يحب ولا يتذكر سوى نفسه، ورغم أنه يحسّ أن هذه النفس هي أغلى ما في الوجود في تلك اللحظة بالنسبة إليه، إلا أنها في الحقيقة تكون قد تحولت إلى مدينة فارغة لا بشر فيها ولا أشجار ولا شوارع ولا ذكريات ولا حتى بيوت، ليس فيها سوى ظلال أسوارها ولا شيء غير ذلك

لقد كنت أحب القهوة البرازيلية حين كان يراسلني من البرازيل، ويقول: إنه سيعود. في تلك الأيام، حين عرفت أن هناك قهوة برازيلية، لم أعد أشرب إلا منها، مع أنني متأكدة من أنهم كانوا يضحكون عليّ أحياناً ويشترون لي قهوة “اليمن”! لكنني كنت أعرف؛ أعرف، لأن رائحة جدك لم تكن فيها. فهمتِ؟! أما بعد أن فقدت الأمل بعودته، أما بعد أن م…اتَ دون أن يأتي كما وعَد، فإن سيرة القهوة البرازيلية أصبحت تُقَشعِر بدني

لم يعد صالح ذلك الطفل الذي كان يارندة، مع أنّ ما مرّ من سنوات ليس كثيراً، ولم نعد حتى نحن تماماً؛ كلنا نشبه أنفسنا كثيراً، لكننا لا نشبهها تماماً، فهناك في الداخل أشياء كثيرة تتمنى أن تخرج وتحتلّ ملامحنا التي لا تشبهنا وخوفنا الذي لا يشبهنا، وأحزاننا التي لا تشبهنا، وأفراحنا التي لا تشبهنا

حين لم نستطع الوصول لأفراحنا المضيئة، يبدو أن حزننا هو الذي أصبح مضيئاً، وإلا لكنّا انطفأنا كما تقول جدتي منذ مائة عام

إبراهيم نصر الله، كم أجدت السرد هذه المرة



كتابة خارج الكتابة


يوليو 11th, 2010

في داخل كل كاتب : ” شيخ ” حكيم .. و ” صبي ” مشاغب ..
وأنا منذ سنوات أحاول أن أعلم ” الصبي ” المشاغب شيئا من الحكمة . وأحاول أن أنزع ثياب الوقار عن ” الشيخ ” لأجعله يرقص عاريا على حافة السطر!
محمد الرطيان

حينما قررت الخروج تماماً من عالم البنوك و مايتصل بها؛ سألت نفسي: ما الذي يمكنني فعله بعد ذلك؟ ما الخطوة القادمة لأكون ما أريد؟ كان عليّ البحث عما أملك من قدرات -لا أعتقد أنها كثيرة أو تختلف عن الآخرين- و في الوقت ذاته كان عليّ التوفيق بين حلمي الأزلي في أن أتولّى منصباً سياسياً، و بين عروض العمل التي جاءت في وقت متقارِب. كنت أحمل همّ أن لا يؤثر ذلك سلباً على حياتي مع الصغيرين، أن لا يُقلِق أمي، و -ربما- لا يسلبني حياتي الآخرى و علاقتي بصديقاتي هنا. فكانت الكتابة و مايتعلّق بها هي المنفذ الوحيد حالياً، خاصة بعد أن نصحني الأغلبية باستغلال المؤهلات -مجموعة اللغات- التي لا تتوافر كثيراً في سكّان مدينتي. و كان السؤال الأصعب: أيّ نوعٍ من الكتابة، و أين؟

حين اجتزت الامتحان الذي أجرته جهة العمل الحالية -رغم عدم استعدادي له- في لقائي الأول بهم، ظننت أنّ الأمر سيكون سهلاً. مجموعة من الكلمات المرصوفة و اتباع ديباجة متعارفٍ عليها مع ما يناسب الجهة المستقبِلة و الموقف المطلوب شرحه. لن يكون الأمر أصعب من خلق أفكار مصوّرة أو مرسومة لإيصال محتوىً معين، و لن يكون أصعب من الاستماع لساعات مطوّلة إلى أسئلة و مشاكل الآخرين ثم شرحها باستيفاء للجهات المعنيّة. و في الحقيقة؛ لم يكن كذلك، كان بالفعل أصعب من عمليّ السابقَيْن. عرفت حينها أنّ اختلاق الفكرة أسهل من كتابتها على نسقٍ معين أو إعادة صياغة فكرة موجودة في الأصل و تقديمها بشكل جديد بلُغتي و على طريقتي الخاصة، شرط أن لا تخرج عن مسار “الديباجة” تلك. ببساطة؛ كان يعني الكتابة عن أشياء لا تخصّ أحداً بشكل مباشر، و كان ذلك يعني لي الانعتاق من ذاتي، أفكاري، مفاهيمي المسبقة، آرائي الخاصة، و أن أختلق الفكرة و أرصفها بحياديّة. أسبوع من العمل الجديد مرّ بسلام؛ لم يكن الأمر سيئاً إلى ذلك الحدّ الذي كنت أخافه، كل الأشياء الجديدة صعبة، مخيفة، و مرهِقة في البداية حتى نألَفها. تطلّب الأمر مني انفتاحاً أكثر، تفهّماً أكثر في أن أرى خطوطاً و دوائر حمراء على ما دوّنت، و كان عليّ -باستمرار- إسكات الصوت الذي يعتمِل في رأسي “أنا! أنا كلامي يتعدّل؟!!”، تطلّب مني سماحة و تقبّلاً أكثر للنقد الموجِع الذي وُجِّه لي في اليومين الأوّلين؛ حتى تلقّيت إشادة بما قدّمته في اليوم الثالث أعادت لي ثقتي بنفسي، و المهم أنني عدت إلى المسار الصحيح في تحقيق حلمي و ممارسة ما أحب كل يوم.

ما يُزعجني الآن؛ أنني بدأت أنسى نفسي مرة أخرى، نسيت كيفية الكتابة عني؛ عن الأنثى التي تردد دائماً “عشاني يتيمة ومسكينة وطيبة وغلبانة وعلى نياتي” بسبب أو بدونه، عن الأم التي تتمنى العيش في عقول أطفالها، عن الابنة التي تفتعِل المبررات لآثامها، نسيت كيفية التغاضي عن مشاهدة القنوات الإخبارية، و نسيت أكثر كيفية تجاهل ماتنشره الصحف -بنَوْعَيها- عن وطنٍ مازال يدرس تصنيفنا و يسألنا عن هيآتنا و انتماءاتنا. عادت إليّ لهفة ملاحقة الأحداث الداخلية و زرعِ عيونٍ خلف رأسي حتى لا يفوتني مشهد يحدث في الخلف (رجاءً لا أحد يتخيل المنظر ). و أظنّ أنّ هذا يحدث حينما تكون الوظيفة على صِلةٍ بشيء ما نحبه؛ يتحول العقل تدريجياً و تتلبّسنا نظريات أخرى -قد- نتبناها دون أن ندرك ذلك.

هل مررتم بشعور الرغبة في الكتابة لكن جفاف الأفكار -أو اختلاطها- يمنعكم؟ كيف داويتم ذلك؟

2 people like this post.