
في البدء؛ كتبتُ بِضعَ كلمات عن يوم الاستقلال الماليزي بما لا يُعدّ سوى مشاركة عادية في هذا اليوم. فيما بعد، و حين كنت أتابع تقريراً حوْل انخفاض عدد واضِعي العلم الماليزي على السيارات -بأنواعها- أو أسقف البيوت على الرغم من أنه يوزّع مجاناً كل أغسطس. لاحظتُ كذلك أنه ماعادت المباني الخاصة أو الحكومية تتبارى في وضعه كالسابِق بشكلٍ يدعو للتأمل و الافتخار. كان التقرير التلفزيوني يتساءل عن الأسباب على الرغم من أننا -ذلك الوقت- نعيش الثلث الأخير من أغسطس. لا أدري حينها لمَ تبادَر لذهني موضوع “الانتماء”، و أعلم أنني تحدّثت في هذا الأمر بشكلٍ مُبالغٍ فيه. ليس هنا فقط، بل ربما دخل في حوارات جانبية مع الأصدقاء -مؤازر بالتحديد- أيام حديثنا عن أسطول الحرية و المصير الذي آل إليه، ثم ما تعنيه القضيّة بالنسبة لنا.
في الزمانات السابقة، و في إحدى زياراتي السابقة لجدي لأمي -رحمه الله- أراني سلاحاً كان يستخدمه إبّان الاحتلال الياباني -الكريه- على ماليزيا. كان يحكي بوجعٍ ظاهرٍ عن معاناتهم تلك الأيام، ألم أن يُسلًب منك كل ما كنت تملكه، فهرُ أن يُساوِمك آخرون و يخيّرونك بين حياتِك أو مالِك و شرَفك، يُغلَب على أمرِك فإما أن تُدافِع و تموت على أيديهم، أو تشتري حياتك و تموت قهراًً!. حكى لي جدّي عن الآلام التي تعرّضوا لها، التخريب الذي كان و الذي أثّر سلباً على النواحي الصحية و الأمنية، بغضّ النظر عن تخريب البنية التحتية و محاولاتهم طمسِ الهويّة الماليزية. ذات الوقت كان يحكي عن البطولات الشعبية، عن اعتزازهم بأنفسهم و عدم الانصياع لأوامر المخرّب الياباني. أمي من جهةٍ أخرى كانت تحكي عن أساليبهم الدنيئة في التخلّص من الشعب الماليزي؛ بدءاً من تسميم مياهِ الأنهار التي يعتِمد عليها الماليزيّون، و انتهاءً بقصص اغتصابهم للفتيات العذراوات. هذا الأمر جعلني -حتى اليوم- لا أقبل أي شيء ياباني مهما كان العالم حولي منبهِراً بالقوة التي تعيشها اليابان هذه الأيام. أتذكّر هنا ما كتبه “مريد البرغوثي” في “رأيت رام الله“
الإحتلال يمنعك من تدبّر أمورك على طريقتك. إنه يتدخّل في الحياة كلّها و في الموتِ كلّه. يتدخّل في السهر و الشوق و الغضب و الشهوة و المشي في الطرقات. يتدخّل في الذهاب إلى الأماكن و يتدخّل في العوْدة منها
قبل عهد الاستقلال؛ قرر والدي -رحمه الله- زيارة الأراضي المقدّسة لأداء فريضة الحج مع جدته -رحمها الله- و التي قررت فيما بعدُ الاستقرار فيها نظراً لطول المسافة التي قطعاها بحراً و المدّة المُستَغرقة زمنياً، و ربما كانت الأوضاع السياسية غير المستقرّة نتيجة للاحتلال البريطاني الذي كانت تعيشه البلاد سبباً آخر. إضطراراً؛ كان والدي -رحمه الله- يملك جواز سفرٍ أزرق يُشير إلى دولة الاحتلال، و مازالت والدتي تحتفظ بجواز السفر ذاك ضِمن الأوراق الرسمية و الرسائل التي تخصّه على الرغم من امتلاكه لجواز السفر الأحمر و البطاقة الشخصية فيما بعد. منذ أن غادَر أبي -رحمه الله- الموطِن و حتى وفاته في المهجَر؛ لم يزره! كنت أتساءل مِراراً بعد وفاته لمَ لمْ يزر موطِنه على الرغم من وجود بقية العائلة فيه، رغم الاستقلال و استتباب الأمن، و وجود الأملاك المُسجلة باسمه. و بين سنة و أخرى كانت جدّتي -رحمها الله- تزوره لأشهر ثم تعود لبقية أبنائها. في ذاتِ الوقت؛ لم يقبَل أبي بجنسية المَهجر التي عُرضَت عليه كما عُرضَت على آخرين تلك الأيام، و الحمد لله أنه لم يفعل. هل كان يقصِد أبي حينها بعْث رسالة لنا بحقيقة الانتماء؟ لا أدري. تِباعاً؛ كنا -و لازال بعضنا- نحمل ذات الجنسية، و بسببها قررتُ الاستقرار هنا. قرار العوْدة للوطن -و الذي اعترضت عليه أمي لزمن- لم يكن سهلاً، رغم ذاك فمازلت أعتبِره القرار الأصْوَب في حياتي.
ربما اختلف الوطَن عما كان عليه في السابِق، ربما حادَ كثيراً عن الخطة التي اتفقَ عليها الشعب، ربما أصبَح في يدٍ غير آمنة؛ لكنه يبقى الموطِن! الآن، و قد مضى عليّ هنا عشر سنوات؛ يلحّ عليّ سؤالان: “أين مكاني منه؟”. ببساطة؛ ثمانُ سنواتِ انقضَت شِبْه هباء رغماً عني، سنة احتجتها لأفيق من صدمة إنفاق ثمانِ سنوات فيما لا يستحقّ، و سنة أخرى للوقوف على “حيلي” و استكمال ما توقّفتُ عنه.
صلوات و دعاء لأبي الذي زرَع فينا حبّ هذا الوطن، صلوات و دعاء للمحاربين الذين ساهَموا في الاستقلال، صلوات و دعاء لـ”تنكو عبد الرحمن” الذي جاهَد من أجل حرية بلا دماء، دعوات لا تنتهي لمهاتير. و صلوات و دعاء للوطن الذي لم يُغادِرني منذ عرفت العالم، للوطن الذي ما أن زرته لأول مرة في الثالثة عشر من العمر حتى عقدنا سوية صفقة الحياة، للوطن الذي سكَن القلب و استوْطَنه على الرغم من أنني عرفته متأخراً، للأرض التي اقترن إسمها بي و أضحت فخراً و انتماءاً عائلياً. كل حرّية و أنتَ بخير ![]()







لذلك؛ حين قررت النوم ليلاً استعنت بعطر اللافندر الذي أؤمن جيداً أنه يساعِد على الاسترخاء والنوم بعمق.
