قصة التعليم مع صغاري -2-


مارس 7th, 2010

“أنا أعرف أنا كبير” و يقِف أمامي مكمِلاً عبارته “شوفي ماما أنا كبير زي ماما”. تلك الفقرة “الاستعراضية” يكررها مجاهد كلما قلت له “أيوة كدا صح” و نجح في كتابة حرف أو رقم في كتابه المنزلي، حصل هذا في الفترة التي “هبط” عليه فيها وحي الاجتهاد و قرر حلّ بعض التمارين الكتابية بعد اعتكافه على كتاب التلوين طِوال اليوم.

كأم -و ربما كمعلمة “فاشِلة”- لم أهتمّ سابقاً بموضوع الكتابة لدى صغيريّ بشكل جدّي و مبكّر كاهتمامي بالقراءة و مُصادقة الكتاب، فهما لا يتقنان سوى كتابة أسمائنا بالانجليزية فقط و كتابة الحروف منفصلة و بعض الكلمات القصيرة. و حين التحَق مجاهد بروضة إحدى الجامعات ابتدأ بتعلّم الكتابة باللغتين الماليزية و الانجليزية في وقت و صفحة كتابية واحدة في “دفتر” يوزّع على الطلاب تكتب فيه المعلّمة كل يوم “ثلاث” مفردات و على الطفل كتابتها و تِكرارها حتى نهاية الصفحة، و هي طريقة لم ترق لي كثيراً، لم؟ لأنها -حسب تجربتي الشخصية- تشتت عقل الطفل أكثر من التركيز فيه. صحيح أنه يتعلّم حينها معنى و كتابة الكلمة/المسمّى الواحد في وقت واحد و سريع لكنه يشتت تركيز الطفل من ناحية التفريق بين تهجئة الكلمتين على لغتين. لاحظت كذلك تركيز مدرسته على تعليمهم الأرقام بالماليزية و هو عكس المتّفق عليه حين استعرضت طرق التدريس في تلك الروضة؛ بحيث تمّ تعريف المنهج على أساس أنه يركّز أكثر على اللغة الانجليزية و يعتمدها لغة للتعليم. لا أنكِر عليهم تعزيز الجانب الديني و حِفظ بعض الأدعية -على الطريقة الماليزية- خاصة دعاء الأكل فهما يحفظانه بالعربية و الماليزية، إضافة إلى حِفظ النشيد الوطني الماليزي. هذه الأمور الأخيرة لا تُهِمني كثيراً كأهمية تعليم اللغات قراءة و كتابة إضافة إلى تعليم الحِساب. تعليم الحساب يُهمّني جداً هذه الفترة لإيماني بقدرتها على تنشيط الدماغ و طريقة التفكير، و وجدت شيئاً من الصعوبة في حلّ بعض التمارين التي لا تخرج عن العدّ التسلسلي و الإحاطة بالرقم أو الشكل الصحيح، هل هو طبيعي لطفل بعمر خمس سنواتٍ و نصف؟

حاولت قدر الإمكان تلمّس الأعذار للروضة و المعلّمة المسؤولة عنه، لكنني لم أجد مبرراً كافياً يُقنِعني، حتى أنني قلت “ربما يحفظن البنات أسرع من الأولاد” حين لاحظت أنّ الأساسيات التي علمّتها لـ”دانة” لم تتأثّر كما حصل لـ”مجاهد”؛ فمازالت -ماشاء الله عليها- تحفظ الأرقام باللغات الثلاث قراءة و عدّاً، و تحفظ الحروف كتابة و قراءة و غناءً لكنها لم تُتقن بعد كتابتها كلها. أرجأت الأمر إلى سفرِهما في الشهر الماضي لأسبوعين و الذي يعني اختلاط اللغات في ذهنه و ربما كان تواجِده في محيطٍ عربي كامل تلك الفترة سبباً في نسيانه لتلك الأساسيات؛ و لو كان ذاك صحيحاً فما تفسير تصحيح “دانة” لـ”مجاهد” في تسلسل الأعداد الإنجليزية؟ لا أدري إن كان حكمي الحالي على ما حصلَ عليه من معلومات في الفترة الماضية ابتداءً من يناير و حتى اليوم عادلاً أم لا، فلربما -كأم- أجدني لا أتساهِل في أمور كهذه يعدّها البعض بسيطة، فالتعليم التأهيلي لما قبل سنّ السادسة يُعدّ أهم فترة تعليمية بالنسبة لي لأنها الأساس التي يُبنى عليها التعليم في المراحل الدراسية الأخرى.

كآباء و أمهات و معلّمين؛ أدلوا بتجاربكم فربما كنت مخطئة =)

* ملاحظة:
أدرِك جيداً أنه يمكنني تغيير الروضة ببساطة إن لم يُعجبني مستواها التعليمي أو أنها لم تقدّم ما وعدت به؛ هذا الأمر وضعته كـ حلّ أخير لأن النظام -هنا- يقتضي انتقال الطفل/الطالب من روضة/مدرسة إلى أخرى خلال الفصول الدراسية فقط و الذي يحتّم عليّ انتظار شهرين آخرين و قد لا تقبل به أي روضة في منتصف العام إذا كانت مكتفية بالعدد الموجود لديها.

Samsung Omnia

1 person likes this post.


عن الرحيل و الرّاحلون عنّا..


مارس 4th, 2010

للدقيقة الأخيرة لها في “كوالالمبور” كانت تتلو عليّ وصاياها؛ كلّ ما جادت به ذاكرتها حينها، حجابي، لِباسي، تحرّكاتي الكثيرة في المدينة، و انتهاءً بتبديدي المبالغ فيه لمصروفي الشهري، تذكّرني بأنني لست إلا “أنثى” مهما فعلت. أقبّل رأسها بكلمات لا أدرِ متى جادت بها قريحتي لتكون “موشّحة” أعذارٍ تتقبّلها أمي على مضض، و أكرهني للأنني السبب في بكائها هذه اللحظات. أشتت انتباهها عن تلك اللحظة التي تخافها و أذكّرها بمواعيد أدويتها، بحاجتها للراحة و تناسينا لبعضٍ من الوقت لتتذكّر نفسها. أطمئنها؛ و أذكّرها بأنني كبرتُ بما يكفي، كبرتُ للحدّ الذي يؤهّلني لأن أكون خارج نِطاقِ قلقِها الدائم، أنني سعيدة -ربما- و “مرتاحة”، أنني بخير هنا، أنني على قدرٍ كافٍ من الأهليّة لتحمّل مسؤوليّتي، و أنني في بيتي “الفارغ” من البشر سعيدة أكثر من وجودي في بيتها المزدحِم بشراً. أتعجّب أكثر من قدرتي على التماسك في لحظاتٍ كهذه، أن أودّع والدتي قبل صعودها طائرة “كوالالمبور-جدة” بعد انتهاء إجازتها السنوية، في الوقت الذي كنت فيه حانِقة على موظف الخطوط الماليزية المتعجّل بدفع عربتها؛ دون أن يمنحني وقتاً كافياً للوداع، و ارتفع صوتي عليه معترضاً: what’s wrong with you!.. للمرّة الثانية لم أبكِ! كدت أجزِم بوجود خلل ما في أعصابي الدمعية لولا بكائي نهاية اليوم؛ حين فرِغ البيت منها و من صغيريّ. أبكي أكثر حين تذكّرني بالمعوّذات و آية الكرسي قبل نومي، تماما كتذكيري لصغيريّ بارتداء بيجامتيهما و قراءة آية الكرسي قبل نومهما؛ و يُضحِكني تبادل الأدوار بيننا.

لمساءاتٍ ثلاث متتالياتٍ بعد سفره؛ أعتكِف في بيتي و أخلد للنوم مبكراً على غير العادة، “مبكراً” هذه تعني الحادية عشرة ليلاً، أصبحت هذه الساعة “بدري مرة” بالنسبة لي بعد اعتيادي للسهر في بيت إحدى الصديقات أو التسكّع معهنّ في مطاعِم المدينة التي لا تنام إلا بعد الرابعة فجراً. عملي المسائي -و الذي ينتهي في العاشرة ليلاً- أتاح لي فرصة النوم نهاراً بعد مراقبة خيوط الفجر تنبثِق بين أبراج “كوالالمبور” بأنَفة تليق بها، يوم معكوس و نظام فوضوي جديد يُخرِجني من روتين اعتدته لسنوات. جميلة هي “كوالالمبور” حينما تكون فارِغة من طوابير السيارات و عوادِمها الخانِقة، فارِغة من أكوام البشر الذين ينتظرون قطاراتها و حافلات النقل في محطاتها، فارغة من الباعة المتواجدين على شوارِعها؛ أمامهم طاولات صغيرة ترتصّ عليها أصناف الأرز الماليزي و حلوى و معجّنات لإفطار الموظفين. يومي الفوضويّ الذي لا يروق له بتسكّعي في المدينة لساعاتٍ متأخرة غالباً يجعلني أبحث عن مبررٍ حقيقي كلما سألني عن مكاني، تقرير يومي اختلَقَه على “طريقته” الخليجية في الاطمئنان عليّ و تعجّبه من قدرتي على البقاء خارجاً حينها و إن لم يكنّ الصديقات برفقتي
- إنتي للحين برّة! أسومة شتسوين وحدج بهالوقت؟
- محد فاضي كلهم عوايل اليوم
- طيب خلِّج بالبيت لازم تطلعين؟!
- كنت في السينما شفت فيلم
- للحين! وايد متأخر الوقت حبيبي
- كان أبدر show بعد ماخلّصت شغلي و انت منكّد عليّ من الصباح بسفرك وبعدها الظهر دراما سفر ماما ودحين محد منهم فاضي لي! اش تبغاني أسوي يعني؟
للمرة الأولى التي ألومه و مَن حولي على ما أفعل، يتغاضى عن اعتراضي على سفراته المتكررة خلال شهر، و يعلم حينها كم هي مدينتنا بائسة حينما نكون وحيديْن، بائسة حين نتمسّح في جنباتها تبديداً لمشاعِر لا تلقي لها بالاً، بهيّة حين ننشغِل عنها بالمحيطين بنا. اليوم؛ تسألني زميلة العمل عن جدول شهر مارِس إن كان يُناسبني أم لا؛ ألقي نظرة سريعة و أكتشِف أنني لشهرٍ آخر سأعمل مساءً أغلب الأيام، أفكّر في احتمالية تواجِد صديقي الأربعيني في المدينة بعد رحلته الثانية، زوّار آخرون أنتظِرهم مطلع الشهر الهجري القادِم، أوافِق على مضض مع إشهار رغبتي في التغيير إن تطلّب الأمر لاحِقاً بينما أقلّب جدول المناسبات و الإجازات المدرسية لأطفالي. شهر آخر إذن من الحياة الخفّاشية كما أطلقتها على أحدِ أصدقائي “النتّيين”.

كثيرون هم القادمون و الذاهبون على مدينتي هذا العام، خليجيّون، أوروبيّون و إيرانيّون، و الأخيرون ازداد عددهم هنا بكثرة مبالغة فيها، لم أكن أنتبِه لوجودهم من قبل كهذه الأيام، أصبحت ألعب مع عقلي لعبة تخمين الجنسيات من طريقة حديث الناس و هيئاتهم، تعجبني مهمّة قراءة الوجوه و الانطباع الأول الذي تتركه على الناس، كاللعبة التي اعتدت لعِبها مع الباعة و موظفي الشركات و الدوائر الحكومية التي أتردد عليها؛ و سؤالهم المعتاد
- where are you from?
- what do you think? Do I look like Malaysian?
- hmmm somehow!
هذه اللعبة أصبحتُ أستمرِئها أكثر وأكثر مع أفراد الشرطة حين يقفون في شوارِع المدينة و يطلبون منا الوقوف جانب الطريق للكشف على جوازات سفرِنا و وجوههم تعلوها الحيرة حين نسلّمهم بطاقاتنا الشخصية.

“مئة عام من العزلة” ترافقني صباحاتي هذا الأسبوع بعد أن انشغلت عنها زمناً، أصبح “ماركيز” رفيق الكوب الأول للقهوة الصباحية قبل مغادرة البيت حيث النادي الرياضيّ الذي التحقتُ به مؤخراً. ميزة موقع النادي قُربه من مكان عملي؛ فلا يفصل بينهما سوى شارعٍ رئيسي. في كل المرّات التي كنت أبحث فيها عن مكانٍ مناسِب لمزاولة الرياضة؛ أفاجأ بوجود مجموعات كبيرة من الجاليات العربية؛ مما يفرِض عليّ قيوداً اجتماعية و تخوّفات من آراء و أقاويل ستتطاير بسهولة في المدينة. وحده هذا المكان لم يكتشوفوه بعد، و أغلب مَن فيه من موظفي البنوك الأخرى المجاورة لنا و بعضهم من ساكني المجمّع الملحق به النادي. يسوؤني فيه منظر ناطحة السحاب قيْد البناء التي تطلّ عليها نوافِذ المكان؛ لذا أستعين برفقة “ماركيز” مرة أخرى في دقائق الهرولة. الساعات التي أقضيها هناك و المكان شبْه خالٍ تتيح فرصة أكبر للقراءة و الابتعاد هاتفي، عن تويتر، فيسبوك و جوجل ريدر، جعلتني قبل كل شيء ألتزم بإفطار يومي لأكون قادرة على تحمّل مجريات اليوم؛ على عكس السنوات السابقة التي كنت أعتمد فيها على كوب القهوة فقط. أتذكّر المرة الأولى التي نسيت فيها أن آكل أي شيء و بدأت برنامجي اليوم، توبيخ مدرّبي الشخصي كان كفيلاً بتخويفي من عواقب ما حدث.

عامين كاملين؛ هي عمر بقائي في مُنشأة واحِدة على غير العادة، كنت أسعى إلى تغييرها و البحث عن مكانٍ آخر منذ الشهور الأولى لي فيها، وُفّقت في مقابلات كثيرة و دُعِيت للعمل في مكانٍ آخر لكنني مازلت هنا. ارتباطي -المُجبَر- بها ليست من زاوية رغبتي التامة بالبقاء فيها؛ و لكن، كوْنها منشأة بنكية فهذا يعني إما الانتقال إلى شبيهٍ لها أو مُنشأة أثقل وزناً منها. ما لا يروقُ لي هنا هو التعامل شبه المباشِر مع العملاء، استقبال شكاواهم و اسنفساراتهم مما يعني التعامل مع الوجه الغاضب و المتعالي من الإنسان مهما بلَغ أدبه، بعض الوجوه “الصفيقة” تظهر للوجود حين تفشل في إكمال عملية بنكيّة ما. في أيامي الأولى كنت أعود إلى بيتي باكية مما أسمعه من بعض العملاء “الزائرين/السوّاح” حتى جاء اليوم الذي تغلّبت فيه على ذاك الشعور، كنت أحياناً كلما أنهيْت مشكلة ما أتمتم في سرّي: “لا إله إلا الله، الحمدلله ع العافية” لليوم الذي تصالحَتْ فيه ذاتي مع جميع العملاء و لا ينتهي الحديث إلا بدعواتٍ و شكر من الطرف الآخر.

صباح يوم سابِق؛ كنت أقرأ تدوينة “هادي فقيهي” و هو ينعى عليّاً و والدته، رائحة الموت ممزوجة بالكافور التي شممتها في مراهقتي قبل خمسة عشر عاماً طفَت من جديد. أعدتُ قراءة تلك التدوينة مرات، و في كل مرة تظهر تفاصيل أكثر من أولى مراسيم الموت التي عِشتها في بيتنا، كانت سريعة و هادئة بشكلٍ يليق به. كنا نستعِدّ لزيارته في المشفى بعد إفطار يومٍ رمضاني، يرنّ هاتف البيت و تقع أختي الكبرى من هوْل ماسمِعَت، تماماً كما رأينا ذلك المشهد يتكرر في المسلسلات. كل شيء بات مفهوماً بعد ذاك الهاتف، تضع أمي عباءتها جانباً؛ فما عاد من المسموح لها الخروج من البيت، لا أذكر متى جئن بقية أخواتي، و أخي الأكبر هل استقلّ أول طائرة من “المدينة” أم أنه كان معنا مذ هدّ المرض جسده. فقط هناك في الزاوية؛ كنتُ أراقب الجموع الكثيرة التي ملأت البيت، و أبكي لأنني لا أريد تخيّل ماحدَث. أتذكّر حجم البكاء الذي الذي اقترفته تلك الأيام؛ كان كافياً لأن تنهرني “كبيرات” العائلة عما أفعل و يأمرنني بقراءة “يس” على روحه و هنّ يرددن عدم جدوى البكاء عليه. كانت كافية لأن تُرهَق عيني اليُسرى و يضعف أداؤها حتى اليوم، كافية لنقش خطوط جديدة لأيامٍ لا يكون لي فيها أبٌ أعلّق على كتفيه مهمّة تحمّل خطاياي الطفوليّة، كافية لإغلاق كل الأبواب المُشرعة سابقاً، كافية أكثر لأن أبتعِد عن كل الذين ينتمون إلى بني جنسه. وحدها ذاكرة الموت لا تخبو، و وحدها تتجدد بتكرار الرحيل. كلما ساقوا لي خبر رحيل أحد أصدقائه أو أقاربنا؛ أخرج قائمة الذين سبقوني إليه.

ذات يوم؛ بُحْت لصديقاتي “الكوالالمبوريات” عن رغبتي التي تحدّثت عنها سابقاً هنا، عن الموت في سنّ الثلاثين؛ فاجأتني إحداهنّ حين سألتني: ” يعني مرة مستعدّة عشان تبي تموتِ في التلاتين؟” و لم أعلّق، جلْتُ بعينيّ على المتواجدات و هنّ يعلّقن، و أخرى تسألني عن عمري الآن. بعد أيام؛ تطرّقت لذات الحديث؛ تساءلت: ما الذي يخيفنا في قصة الموت؟ ألم انتزاعِ الروح أم ألم فِراق المحيطين بنا؟ تؤرّقني فكرة الموت لا على أعتاب شباب لم أستغِلّ أيامه كما يجب؛ بل الظروف التي أكون فيها لحظة انتقال الروح، عن المحيطين بي في وقتٍ كهذا، عن الساعة التي سأربِك فيها يومهم، عن ردود أفعالهم حين يعلمون بأمري. نائبة مديري تُعاتبني على انكفائي على ذاتي، تُعاتبني على عدم تواجدي الدائم في مناسبات العمل خلال عامٍ مضى و اكتفائي بمراقبتهم عن بُعْد، كانت تقذِف بكلماتها يوم التقييم السنوي و كنت أراشِقها بذات الأسلوب، فاجأتني أول مرة حينما قالت you are died here by your scilence! و حِرْتُ في أمري. أي ضجيج يجب أن يفتعِله الموت ليكون علامة فارِقة في أيام الآخرين؟ و أي ضجيج نقترفه في حياتنا ليكون علامة أخرى لا تُنسى بمجرّد فقدنا؟. فضول غريب يلفّ هذا المسمّى “موتاً” يجعلني -تحسيناً لمسمّاه- أسميه “رحيلاً”، يجعلني أفكّر في حقيقته التي لم أفهمها بعد؛ للحدّ الذي جعلني أرصد قائمة بكلّ ما أريد فعله قبل “موتي” في ورقة سكنت حقيبتي و وقعت -خطأً- بين يديه ذات ليلة. كان يقرؤها بتأنٍ دون أن يعي أسباب تفكيري بهكذا أمور؛ بين سطرٍ و آخر يسألني: “شحقّه هالكلام؟” على الرغم من أننا تطرّقنا إليها -بشكل غير مباشِر- كثيراً في أحادثينا، يُمارِس دوره باحترافية؛ حين ينصُب ذاته محققاً لأحلامي “الميْنونة” و يسألني قبل أن يغادِر مدينتي كل مرة “تبين شي يُبه؟” و تفرك الإجابة الحقيقية هاربة من رأسي و لا أجد سوى “سلامتك” واقفة كتمثال لا يتعب. حين اقترفتُ خطيئتي الأولى قبل ثمانِ سنواتٍ؛ قلت لـ”أمي” و “سومة”: “يشبه بابا”، تحذّرني صديقتي قبل أيام من تكرار ذات الخطيئة، محقّة هي؛ فلا أحد يشبِهه، و تُعاتبني “سومة” في كل المرّات التي تتشابك فيها أصواتنا و يعرُج الحديث من ثرثرة نسائية ليكون عنه
- نفسي أفهم إش اللي عاجبك فيه، ماتشوفيه كبير عليكِ؟ الفرق بيناتكم مو قليل
- أعرف! يكفيني إنو متحمّل هبالاتي، إنو بيدلعني.. على هوايَ =]

Samsung Omnia

1 person likes this post.


from Paris with love


مارس 4th, 2010

كان اختياري للفيلم تلك ليلة غير موفّق، لا لعيبٍ في الفيلم ذاته و لكن لحالتي النفسية السيئة و التي كنت لأجلها أبحث عن أي فيلم “أكشن” كنوع من تفريغ الشحنات السلبية المتكدّسة.. لا يهم. قضية الفيلم الأساسية هي “القضاء على الإرهاب” و بطبيعة الحال تكون “السيدة أمريكا” هي المستهدفة من قِبل جماعات “إسلامية” باكستانية و جماعة أخرى أعتقد أنها صومالية تتاجر بالمخدرات.

يصوّر الفيلم حجم الخديعة التي يعيشها Reese في حبه لفتاة “أسلمت” للتّو، تُغسل دماغياً و يجعلونها تؤمِن بقضية تفجير الذات المرتبِطة بالراحة الأبدية. تعيش معه و تُشعِره -خِداعاً- بمدى حبها له، بينما هي أداة في يدِ رئيس الإرهابيين هناك. تتطفل على عمله دون أن يشعر، تزرع الكثير من كاميرات المراقبة و أجهزة التصنّت في البيت، حتى خاتم الزواج كان أداة طوّعتها لأجلهم.

أشعرني الفيلم بفداحة استغلال “الحب” في أمورٍ كهذه، بسذاجة الإنسان و بساطته حينما يثِق “تماماً” فيمَن أحب؛ دون أي سابِق معرفة لتاريخ الطرف الآخر، موروثاته الإجتماعية، قِيَمه و المباديء التي يعيش عليها. ثقة تتلبّس معاملاتنا مع الآخرين، ربما تكون خاطئة إذا ما اكتشفنا -متأخرين- أنها كانت للأشخاص الخطأ. نفس الخطأ الذي وقع فيه Wax ثلاث مرات حين أحبّ مرة في كولومبيا و مرتين في لبنان، الأمر الذي فاجأ فيه Reese حينما وبّخه على فعلته و اتهامه لصديقته على أنه لم يجرّب “الحب” سابِقاً و لا يعرف النساء.

آخيراً؛ الفيلم من بطولة ترافولنا لمَن يهوى متابعة أفلامه

Samsung Omnia

1 person likes this post.


خمس ساعات و نصف


فبراير 21st, 2010


كلانا يعشق هذه المدينة على طريقته؛ اتخذها هو ملجأً له بعد سنواته الأربعين التي قضاها في موطِنه و مدناً أخرى عجزتْ عن تحقيق رغباته، و كانت منذ الأزل موطني أنا بلا منازِع. كنت أعتقد أنّ السفر دواء المحبّين؛ حتى اكتشفت أنها تزيد من أوجاعِهم، تقلّب المزيد من الصفحات المقصيّة في الذاكرة. و كنت أظنّ أننا إن أحببنا أشياء و أشخاص حدّ “الثمالة” فهذا يعني حاجتنا إلى الابتعاد عنهم، لنعرف إن كان ذلك حباً حقيقياً أو هو سكْرة حبٍ لا أكثر.

كانت فكرة مجنونة جداً و مجازفة لم أقم بها في السنوات السابقة، كنت أعتقد أنني مارست كل شيء “محلل” و ممكن في الحياة قبل أن أغادِرها بهدوء؛ إلى أن سجّلت رقماً قياسياً في تاريخي و تاريخ العائلة يندرج تحت أقصر رحلة جوية. في العام الماضي؛ وجدتني أستقِلّ أول طائرة إلى “قدح” لحضور عزاء ابنة خالي، في رحلة لم تزِد على 24 ساعة مكثتها هناك، و قبل أيام قررت السفر إلى ذات المدينة لأرافق والدتي منها إلى “كوالالمبور”. كان ذاك أمراً تعذّرت به حتى أبتعِد عن هذه المدينة التي ارتبط وجودي فيها به مؤخراً، كنت في حاجة إلى معرفة عمْق الودّ الذي بيننا، ما الذي يجمعنا، و ما الذي يجعلني أتشبّث بها و به. احتجت إلى إضافة نقطة أخرى لتُسجّل ضمن جنونيّات سنّ الثامنة و العشرين ، و احتجت إلى تأمّل حياتي من عُلٍ، إلى التحديق في تفاصيل حياتي و منعطفاتها التي تشبِه إلى حدٍ كبير هذه المدينة التي لم أغِدرها منذ سنة و بضعة أشهر؛ لكنني غادرتُ نفسي مرات عديدة.

في السماء؛ كنت ألقي نظراتٍ طويلة في شوارِعها، في الطرق السريعة الممتدة بلا مخارِج و منعطفات، نختلف أنا و هذه المدينة في هذا الأمر، محطّاتي كانت أكثر، و أعمق؛ على عكس محطّاتها التي تحوي هدوءاً و سكينة. حتى قائد الطائرة كان أكثر استعجالاً، لم يمنحني وقتاً كافياً للتأمل قبل أن يعلِن استقرارنا في السماء و يُطفيء إشارة ربط الأحزمة. إلى جواري راكب متطفّل يشاركني النافذة، أضحكني “رعبه” الغريب حين سمِع صوت تشغيل هاتفي
-its not good to on your handphone now!
- I know! its on flight mood!
استقرّت صور كثيرة لسماء المدينة بسُحبِها القطنية في هاتفي، و كلما ابتعدنا و ارتفعت الطائرة؛ أجدني أبتعِد أكثر عن نفسي.

في مطارها الكبير؛ كنت أنصِت إلى النداءات الأخيرة لرحلاتٍ أخرى، و هاتفي الذي لا يكفّ عن الرنين مهملٌ في الحقيبة. كنت أستنكِر قلقهم؛ خالي، أمي، و الأربعيني الذي لا يؤيد جنوني. حينما فاتتني طائرة الصباح لإصراري على كوب القهوة الساخنة جداً؛ لم أجِد عذراً حقيقياً ليصدّقه خالي، طائرة الصباح كانت مستعجلة أكثر من اللازم، و كفاني هذا العذر الذي تفوّه به خالي حينها. لم يكن الأمر يتطلّب أكثر من مكالمة هاتفية حتى وجدت مكاناً آخر في رحلة الظهيرة، لكنه كلّفني تسكّعاً لساعات أطول في المطار. كانت المرة الأولى التي أسافر فيها بلا مودّعين، و بلا رِفاق، لم يتطلّب الأمر لمرافقين كونها رحلة قصيرة جداً، و ربما كنت في حاجة إلى الاختلاء بنفسي أكثر. هناك؛ بلا صديقاتي اللاتي اعتدت ملاقاتهنّ ليلاً فقط. الاحساس بشعور المسافرين جعلني أتسكّع في المحلات و المطاعِم الرديئة، تذكّرت حينها المقهى الذي جلسنا فيه يوم سفره قبل شهرٍ و نصف، تناسيته؛ فلم أكن في حاجة إلى تقليب المزيد من صفحات أيامي معه.

بسيّارته الجديدة؛ كان ينتظرني و هاتفه بيده يسألني عن مكاني، وحده من رجال العائلة “الكبار” لا أتردد عن مغازلته، رغم السنوات الكثيرة الفاصِلة بيننا و “موشّحة” أمي المتكررة “خالك يحبك و يخاف عليكِ زي بناته و أكتر كمان!” كنت أرى ذلك جلياً في عينيه، في تعامله معي و بقيّة إخوتي، وحده -كذلك- من رجال العائلة لا أتردد عن فتح قلبي له، عن رواية حكاياتي “الكوالالمبورية” و الأشخاص الذين قابلتهم فيها، عن الأربعيني الذي تسلل خِفية إلى حياتي دون أن يُعاتبني “بعنف”على ما أفعل، عن سهري لساعات الصباح الأولى خارج البيت برفقة صديقاتي و خروجي عن وصايا “ستي” و منعها لنا في الخروج بعد الثامنة مساءً، أحب تفّهمه لنا، لحياتنا الشبابية، تسامحه مع الكثير من هفواتي. أحبّه و طريقته المضحكة في إصراره على استقبالي وحده على الرغم من معرفته التامة أنني أدلّ طريق بيته من مطار “قدح”
- استنيني لو اتأخرت و خلّيكِ في مكانك.
- مايحتاج، كلها نص ساعة بالتكسي!
- تردّيني! طيب اتخيليني بويفريند ورايح أستقبلك!
تضحِكني عبارته تلك و أوافقه، و ليس أجمل من استقباله لي و بيده الأخرى كوب قهوة و خبزٌ مُحلّى، آمنت حينها كم أنا محظوظة به؛ خالي الفريد من نوعه. تلك الرحلة القصيرة جداً؛ اختزلت الكثير من الأحاديث القصيرة، اللقاءات السريعة و العابرة بين أبناء خالي، إصرار ابن خالي على تناول قطعة من كعكة عيد ميلاده الذي كان في الليلة السابقة، هواية شدّ الشعر التي امتهنها ابنه الأكبر، ركوب الدراجات النارية خلف أحدهم بيدٍ مرفوعة في الهواء بشعرٍ “منكوش” بشكل مزرٍ في الشوارع المحيطة بالبيت، و الضحك بصوتٍ عالٍ على نكات “عبيطة” يحتاجون فيها إلى ترجمتها أكثر حتى أفهمها ترافقني تعليقات “ستي” و معارضتها لكل مانقوم به؛ و حدها التي تذكّرنا أننا ما عدنا أطفالاً لنفعل كل ذاك.

خمس ساعاتٍ و نصف كانت كافية لإزاحة الكثير من رداء كوالالمبور الذي يتلبّسني. كانت كافية لأرى الغِبطة في عينيّ والدتي و هي ترى القُرب العائلي الذي ننعم به رغم قلة زياراتي لهم، كافية ليكون خالي محاميّ الذي لا تستطيع أمي معارضته حين يؤيدني في تجاوِز قوانينها و قوانين العائلة “المتديّنة” و لو لدقائق
- لسة حتى مالبِستِ طرحتك!
- مو لازم
- كيف مو لازم و في المطار بيكونوا كلهم فيه! عمك و أولاوده و غيرهم
- ههههه بيكيفهم هم أحرار في شعرهم و أنا حرة في شعري
- بعدين يحسّبوني راضية
يتدخّل حينها بابتسامة صفراء:
- ارضي طيب محد ماسكك
تراءت لي مساحة الحرية الممنوحة لي أكبر هذه المرة، أن هناك مجالٌ أكبر للنقاش فيما نعتقِده واجباتٍ متوارثة. و وجدتني أكثر جرأة في الردّ على سؤال “ستي” و أنا أودّعها بينما تمسح دمعاتها بعد وداع والدتي
- انتي ماتبكي!
- ليش أبكي! كلها ساعة بالطيارة و أنا عندكم..
و أتساءل؛ هل دموعنا يحكمها قرب المكان و بُعده؟ أم أنني استنفدتّ كل مخزون الدموع لديّ فما عاد يبكيني شيء؟

Samsung Omnia

5 people like this post.


حكايا عشر سنوات..


فبراير 7th, 2010

كان من المفترض أن تُكتب هذه التدوينة بعد شهرين؛ لكنها تقدّمت بفعل كثرة التفكير في أحداثها، في العشر سنوات التي قضيتها هنا. منذ المرة الأولى التي سئِلت فيها: “كم سنة ليكي هنا؟” و كانت الإجابة: “عشرة سنين”.

هذا السؤال يتكرر كلما زرتُ دائرة حكومية، في مقابلة شخصية لعمل جديد، مشفى، حضور احتفال رسمي، أو حتى في لقاء عابر من المتوقّع أن تتحول إلى صداقة سطحية. سؤال أسمعه من الماليزيين أنفسهم حينما يُلقون نظرة أولى على حجابي الملفوف على الطريقة العربية بإحكام، بلا دبابيس و “بروشات” كما تفعل الماليزيات. ملامحي المخلوطة بين جذور تايلندية “فطانية” و ماليزية، لكنتي الغريبة في نطق الكلمات الماليزية و إخفاقي في الحديث بلا كلمات إنجليزية تجعلهم أكثر حيرة في تحديد هويتي. بكل ثقة يطلبون مني “جواز السفر”! و بثقة مشوّحة بالـ”بلاهة” أمدّ يدي ببطاقة الهوية، أضحك على ملامحهم المتفاجئة: oh you are Malaysian! و أكمل بملل تكرار مايحدث: ye lah melayu! تبدأ حلقات السيناريو! ظننت أنك عربية، هل أمك عربية؟ رقم هويتك غريب! أين ولدت؟ كم سنة عشتِ هناك؟ لكنكِ لا تتقنين الـ”بهاسا” بعد! عيب! …… الخ، و لا أملك سوى سرد التاريخ العائلي كل مرة، سرد يختلف بظروف المكان و الوقت الذي يسمح به مزاجي حينها..

فيما مضى؛ كنت أقارن بين الحياة هنا و هناك، أعترف أنه لم يكن عادلاً. اختلاف الظروف، البشر، المكان، عمري حينها و طريقة تفكيري. ليس من العدل أن يسألونني: فين أحسن، العيشة هنا و الا هناك؟ و أحتار! فلا أجد سوى إجابة محايدة: كل مكان له حسناته و سيئاته، هناك أهل و طفولة و ذكريات و كثير من الضجر، هنا حياة أخرى..

منذ مارس 2000م و حتى مارس 2010 ستكون عشرة سنوات كوالالمبورية بحتة، قليل من الإجازات في أسابيع و شهور معدودة، و مابين 1994م و 2000م كانت ظروف أخرى مغايرة. 1994م عام الفقد؛ منه بدأت أظهر للعالم، و كشفت الدنيا وجهها أكثر، منه بدأت رحلة يُتْم و استمرّت. عرفت حينها أن الدنيا ليست مجرد دمى و ملاهي و اعتماد تام على أخواتي الأكبر سناً، عرفت أنني أُلحِقت -مبكراً جداً- بصفوف البنات اللاتي يُعتمد عليهنّ حين تخرج أمي لعملها، و أنني مسؤولة عن أخي الأصغر و عني، أنّ عليّ إنهاء واجباتي المدرسية و النوم مبكراً، السهر ممنوع ماعدا يومي الأربعاء و الخميس، حتى في هذين اليومين عليّ توقّع زيارات عائلية و جيش من الأطفال اللذين يُتركون مع خالتهم للتتفرّغ الأمهات للتسوق و الحفلات العائلية و ربما نزهة زوجية خاصة! كان القدَر أسرع من قدرتي على استيعاب مفهوم “الخالة” الصغرى، أسرع من سنين عمري لأتمتّع بدفاتري الملوّنة المخبّأة في درج سرّي. خذوا مني إعترافاً -آخر-: كنت ناقمة على الجميع! على أخواتي اللاتي كنت أراهنّ أنانيّات ذلك الوقت، على الصغار اللذين لا يهدأون و لا يمكثون في مكان واحد لخمس دقائق، للنداءات المتكررة، و الشجارات و البكاء المستمر، ناقمة على أخي الأصغر حين يكون في صفّ الصغار ضدي!

عرفت الحياة أكثر حينما دخلت مكتب الجوازات لأول مرة؛ قانون المقيم البالغ للثامنة عشرة و الذي يعرفه الكثيرون هناك، قانون تزامَن مع إعداد الأخربات لأوراق التخرّج من الثانوية العامة. أتذكّر تأخري في إنهاء تلك الإجراءات ريثما “يصحو” موظف الجوازات من “كسله” و يسلّمني دفتر إقامتي الجديد، خوفي من عدم تمكّني إنهاء أوراق التقديم على أهمّ شهادةرسمية لي ذلك الوقت، البقاء بين رحمة موظف كسول و مدرسة لا تعترف بالظروف حينما يتعلّق الأمر بنا. أسبوعين من الرحلات المكّوكية، نُسخ كثيرة من تواقيع لأناس لم يعرفوني و لم ألتقيهم من قبل، كان أكثرهم فُكاهة؛ توقيع عمدة الحيّ يُثبِت أنني إحدى قاطنيه. هذا المُسمّى عمدة لا يعرف الحيّ بخباياه كما أعرفه، و لم يسِر فيه كما سِرت فيه أياماً كثيرة من البقالة و حتى بيت “فطّوم” صديقتي.

في الثالثة عشرة؛ كانت أولى زياراتي لماليزيا، رحلة معبّأة مغامرات و أحاديث طويلة. تخيّل رحلة تسير فيها مع خمسة وعشرين فرداً! كان ذلك عددنا؛ أنا، أمي، أخوايَ، وخالاتي بأطفالهم. احتللنا جزءاً غير بسيط من الطائرة، و كانت أجمل رحلة كلما بدأ الحديث عن السفر مابين السعودية و ماليزيا؛ يعرج الحديث عنها؛ عن جنوننا، إنبهارنا بكمية الأشجار و المساحات الخضراء، التماثيل، المعابِد الهندوسية و البوذية، تعليقاتنا بصوتٍ عالٍ على كل ما نراه لأول مرة، خروجنا على نظامٍ متّبع هنا، حيوانات القرى التي تُفزِعنا كلما هربنا من بيوتنا فنعِد أنفسنا بعدم تكرار مافعلناه لنتناساه بعد ساعات. أتذكّر وجه المضيفات و هنّ يريْن عبثنا و لا يتمكنون من السيطرة على تحرّكاتنا، تعابير وجوههم المتفاجئة حين تحوّل ربع الطائرة إلى جلسات “شللية” مابين الأمهات، بنات كِبار، بنات صغار، شباب، و مكان آخر مخصص للأطفال و الرضّع! كانت المرة الأولى التي أتخلّى فيها عن شعري الطويل جداً ليتّخذ تسريحة “الأميرة ديانا” و ملامحي التي تحوّلت إلى ولد! وبدأت محاضرات أمي بعد ذلك…

سنوات الجامعة كانت أكثر إثارة و متعة مما توقّعت، لم يزعجني فيها سوى السؤال المتكرر: you are Malaysian; why can’t you speak Malay؟ لم يكن هناك عذر سوى عدم وجود مدارس ماليزية و انخراط جميع أبناء الجالية في المدارس العربية، كنا نرى حافلات المدارس الأندونيسية و الهندية و يقفز في ذهني سؤال: فين مدرستنا؟ حاجِز اللغة جعلنا نتّكل على لغات مساعدة للتواصل مع الآخرين، كان بالنسبة شمّاعة أعلّق عليها طلب الالتحاق بفصول غير الماليزيين لدراسة اللغة الماليزية في الجامعة كمادة إجبارية، و لأنها مبسّطة كنت متفوّقة فيها.

ربما كانت السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة لي هنا هي أكثر مراحِل عمري نضجاً، أكثرها أحداثاً و تواصلاً بالعالم الخارجي، بعيداً عن المحاضرات الجامعية و سكَن الطالبات. كانت البداية الحقيقية للخروج للعالم، للتعرّف على كوالالمبور؛ مداخلها و مخارجها. تجربة السفر مع رضيع في رحلة بد أت من كواﻻلمبور إلى جدة مروراً بمسقط و البحرين ليوم كامل، ثم رحلة مشابهة مع طفل و رضيعة مرورا ً بأبوظبي. التجربتين الأخيرتين منعتا عني التمتع بالنظر إلى السحب القطنية كما كنت أفعل في رحلاتي الأخرى.

ماذا لو كنا نملِك طريقة لتصحيح الأخطاء السابقة؟ طريقة نستطيع من خلالها تصحيح مسارات حياتنا، أو ربما وسيلة أخرى تُرينا ما سنكون عليه بعد عشر سنوات؟ الخيارات المتاحة تشتت تفكيري هذه الأيام، مساحة الحرية المُعطاة لي في هذا العمر و تقبّل والدتي لمناقشة قراراتي و اختياراتي على الرغم من نبرة الإصرار على رأيها و اعتقادها أنها ترى الأفضل لي، أمي مازالت ثابتة على خطة مرسومة مسبقاً لا ترى جدوىً من الخروج عنها. أتفّهم رأيها هذه المرّة؛ كانت تصرّ على رفضها عملي في أي منشأة حكومية لها علاقة بالسياسة مباشرة، رفضها لانبهاري ببوتراجايا كمدينة للعمل و الحياة. و العجيب أنها قبل أشهر أجرت اتصالاتها لألتحق بالسفارة الماليزية بجدة! كانت على وشك أن تحقق ماتريد لولا تمسّكي بهذه المدينة

كنت أفكّر ليلة أمس؛ لو أنني لم أقرر العيْش في كوالالمبور أين سأكون؟ كسؤاله المفاجيء قبل شهر: وين بتعيشين بعد هالعشر سنين اللي في كواﻻلمبور؟
- اممم ما أعرف.
- طيب بعد عشر سنين ثانية؟
- بيسير عمري تمنية و تلاتين، لسة بدري!
- على شو؟!
- ع التقاعد!
منذ أغسطس الماضي و فكرة التقاعد لا تبرح مكانها، فترة مابعد التقاعد ارتبطت في ذهني بالتمتّع بالحياة، لا عمل، لا مسؤوليات، أطفالي سيكونون أكبر سناً و قدرة على تسيير شؤون أنفسهم. ارتبطت بالسفر المتواصل، بالبقاء لشهور ٍ كثيرة على شواطيء اليونان دون كابوس رئيستي التي لا تسمح لي سوى بساعة ٍ واحدة للغداء، و لا اتصال فريق عملي لوجود سائحٍ لا يجيد سوى العربية! ربما هي خطة بعيدة المدى للهروب، ممَ الهروب هذه المرة؟

ارتباطي اشتدّ بما أشاهِده هذه الأيام و تحوير كل الأفلام و الروايات لما يحدث على أرض الواقع، يزداد هذا التأثر حينما يتعلّق بالمحيطين بي. يزداد الارتباط حينما أشاهِد أفلام درامية قريبة من الواقع. فيلم Couple retreat جعلني أفكّر في أقرب إجازة ممكنة، مكان هاديء، المحيط، الشمس
- إش رايك نروح بالي؟
- لا أنا بروح بورا بورا، نفس مكان الفيلم
- أفاااا بتروح من غيري!
- طول عمري أسافر من غيرج شمعنى الحين؟
- طيــــــب! هدي حواجبي لو رحت
فيلمَي The Ugly Truth و Sex & the City كانا ذو أثرين كبيرين أيضاً، خاصة الأخير ، شيء ما في الفيلم يشبه الحياة التي أعيشها الآن باختلاف الظروف. Miranda تشبه “سومة” في خوفها و قلقها الدائم عليّ، هذا القلق الذي يجعلني أخشى سؤالها على الماسنجر: “أسما انت هنا؟” و ينتهي النقاش بموشّحتها المعتادة “ماعدت أفهمك! اتغيرتي!”. سومة لا تؤمن بتغيّر الأفكار، المباديء، طريقة الحياة. أعذرها على ذلك النمط الأوحد الذي تعيشه و تتوقّع مني ذات الأمر و أرفضه.
- حلوة اليونان؟
- يمكن.. ماقد زرتها بس شفت صور كثير. شمعنى اليونان؟
- أبغى أعيش فيها كتير الين أطفش. بروح مكان زي اللي في فيلم Mama Mia
- وحدج بعَد؟!
- لا.. مع صحباتي نجلا و عيوش و سومة
- و أنا؟
- طول عمري عايشة من غيرك اش معنى دحين!
- أهااااا جذي صار!

عشر سنوات؛ اختزلت الكثير من التجارب، من أنماط الحياة التي تتغير سريعاً قبل أن أنتبه لها. تكرر على مسامعي والدة صديقتي “ماتخلّيش السجّاد ينسحب من تحت رجليك” و أتساءل: هل بقيت مساحة كافية منه؟ عشر سنوات؛ جعلت من أولئك الصغار -الذين كنت أرعاهم أسبوعياً- و أخي الأصغر أصدقاء مقرّبين، نثرثر كل ليلة، نخطط للأيام القادمة، نتذمّر من قيود الكبار و نخترع طرقاً للخروج على القوانين العائلية. عشر سنوات بنَت أنثى مغايِرة تماماً لما رسمتها أمي، أنثى لم تستوعِب أمي أنها عاشت طفولتها و مراهقتها بين “ولدين” فكنت كما أنا، متمرّدة دائماً. عشر سنوات ربما كان الأجدر بي تحليلها أكثر من اليوم؛ لكنها ممتلئة أحداثاً لا تحتاج إلى تقليب أكثر، فتؤلِم!

ماذا عن حكاياتكم للعشر سنوات تخصّكم؟

9 people like this post.


و انقَضى شهر!


يناير 30th, 2010

مضى شهر مذ غيابِك، من آخر لقاء رتّبته أنت على عجَل و وافقتك عليه في لحظة جنون. مضى شهر؛ كنت أعدّ فيه ساعات اليوم التي تسير ببطء بدونك، كعادتي حين أنتظر أحداً أو شيئاً ما. أكثر الأشياء التي حدّقت فيها يومياً هي روزنامة هاتفي؛ لم أكن في حاجة إلى وضع علامة تحدد يوم سفرِك الذي حفِظته عن ظهر قلب. و في اليوم الذي يسبِقه كنت تُخبِرني بموعد سفرِك المفاجيء! هكذا دون أي مقدّمات عزَمت على تغيير المكان، و كأن هذه المدينة التي جمَعت خطواتنا، جلَساتنا، ضحكاتنا، نقاشاتنا التي لا تنتهي و مشاكسات التي تُخجلني؛ كأنها ما عادت تسَعنا و أيامنا القادِمة. بدون مقدّمات و لا أسباب حقيقية؛ هكذا فقط قررت أن تغادِر مدينتي حيث موطِنك، متعللاً باعتدال الجو هناك.

أذكرني جيداً؛ حين احتجت دقائق لكسر حاجز رهبة هاتفك الأول بعد آخِر شِجارٍ لم ترِد فيه سماع رأيي، و احتجت ساعات أخرى حتى أصدّق نبأ سفرِك. تلك الليلة التي لم نرتّب لها و ما سيحدث فيها أبداً، ضحِكت لجنونك الذي لا يوافق سنواتِ عمرِك في رأيهم، و انطلقت حيث التقينا بعيداً عن الأعيُن التي تراقبني عادة. بعينين مورّمتين إثر إهمالي لها و رئة مرهقة، مغلّفة برائحة عِطري النفّاذ الذي مافتئت تعارِضني عليه، التقيتك، و في نفسي تعشش رهبة اللقاء الذي لم أدرِ أنه سيمضي زمن طويل حتى يتكرر، و حتى اليوم أجِدني أخشى تسمِته اللقاء الأخير.

يوم سفرِك؛ لم أدرِك أنه سيكون علامة تأريخ في عامي الحالي، كنت ذلك اليوم أشعر بنغزة غريبة، عللتها بشعور وداع المسافرين المتكرر غالباً، ذاك الشعور الذي أكرهه كلما وطأت قدماي أرض المطار. كيف لم أنتبِه للرسائل القصيرة التي كنت تبعثها في طيّات حديثك؟ تدليلك إيّاي ذلك اليوم أكثر من اللازم، الصورة التي التقطتها خِفية، تقبّلك لإزعاجي الصباحي الباكر جداً، كل حديثك و سكَناتك، و وداعك لي حتى غيّبتك عن عيني ردهات المطار.

مضى شهر -إن لم تكن قد أدركت ذلك- على غِيابِك بلا هاتف أو رسالة تُطمئِنني!

5 people like this post.


صوتٌ بلا صدى..


يناير 27th, 2010

-1-

تُفزِعني كثيراً فكرة قضاء الليل وحيدة في بيتي، لا يهمّني مَن يكون برفقتي في هذا الوقت، على الأقل أكون مطمئنة أنّ تلك الأنفاس المبعثرة في جوّ البيت ليست لمخلوق غير بشري. لذا حزمت حقائبي المعبّأة ملابس للعمل، و أخرى للتنزّه و فستاناً واحداً لحفلة طارئة، حقيبة أخرى صغيرة تختزن مكياجي، طلاء الأظافر و الأدوية المقررة عليّ تناولها كل يوم. عادت بي الأيام لمرحلة الجامعة؛ حينما يغط ّ الجميع في إجازة صيفية أو مابين فصلين دراسيين، حينها يفرغ سكَن الجامعة من جميع الماليزيين -حيث يعودون إلى قُراهم- و لا يبقى سوى الطلاب غير المواطنين و نحن المصنّفون كماليزيين بلا عائلة قريبة. تلك الليالي كانت عامرة بالحفلات الصغيرة و الرحلات “المهبّقة” غير المخطط لها، و الكثير من الأحاديث التي تأخذ طابع بعثرة الوقت و الأشياء. نجتمع عادة في غرفة واحدة بأربعة أقسام لتؤوي مايفوق عشرة أفراد! و تصبح حينها كل التصرّفات الممنوعات أموراً عادية.

-2-

مايحدُث الآن لا يعدّ سوى هروب اعتدت على ممارسته؛ هروب يجعلني أندم عليه حينما أرى عاقبته فيما بعد، في لحظات تفكيري به. منذ أن تسلل الخوف إليّ؛ امتهنت الهروب الأول، دسست تقارير المدرسة عن والديّ كلما تراجَع مستواي المدرسي، أخفَيْت طفولة و مراهقة و قفزت لنضجٍ سبَق سنيني، حزَمت حقيبتي و قررت السفر بحجّة الدراسة، مزّقت عقداً أبْرَمه أخي الأكبر على مرأىً مني قبل سنوات، و أعتقد أن ّ أكبر هروب هو ما يحدث الآن، حين أرفض مجرّد التفكير في الأحداث السابقة والمستقبلية و لا أُصغِي لاقتراحات أمي بالعودة من حيث أتَيْت. المُزعج في كل مايحدُث أنني بعد كل هروبٍ أخفِق أكثر، و بالطبع لا أتعلّم من أيٍّ منها!

-3-

صباح الأمس؛ كان أول لقاءٍ لي برئيسة جديدة. رأفت لحالها و الطريقة التي نعاملها بها، هل تدركون شعور المنبوذ في مكانٍ جديد؟ لا أدري إن كانت تشعر هي بذاك أم لا، لكنه حقيقة هو ما يحدث. على أننا اعتدنا قدوم و خروج موظفين و متدربين كثُر في قِسمنا؛ إلا أننا لم نستطع تقبّل “الغطرسة” المسدلة عليها و التي كانت نتيجة للـ”تعبئة” الدماغية و الأفكار التي سقَتها إياها رئيسنا السابق و نائبته. و العجيب أنّ كل ما تقوله بصفة آمِرة خارِجة عن حدود الذوق العام و ما تقوم به لم تكن نتيجته سوى ابتسامة “بلهاء” و “تطنيش” ريثما أُنهي تلوين أظافري! =]

-4-

كنت أقرأ كثيراً عن تلك الرسائل المبعوثة من قِبَل أناسٍ لا يؤمنون بانعدام وجود المستقبِلين لها، لا يمِلّون إرسالها، و لا يُدركون رحيل مَن يستقبِلها حتى يوقِظهم أحدٌ مما هم فيه. كنت أظنهم عاطفيين أكثر من اللازم، غير مؤمنين بواقِعهم المُرّ. و وجدتني أمارِس ذات الشيء لشهرٍ كامل. المفارقة الوحيدة؛ أنّ مَن يستقبلون رسائلي مازالوا يتنفّسون، تتعاقب عليهم ذات الشمس دون أن تُمطِر عليهم ذات السماء.

2 people like this post.


الانتماء في شكلٍ آخر


يناير 23rd, 2010

تعززت لديّ فكرة أنّك حين تقرأ عن أمرٍ ما كثيراً و تبحث عنه؛ تجد الكثير من الأمور حولك قد تعزز ذات الرأي الذي تعتقد أو تحاول تحوير الحدث وِفق ما تفكّر فيه. شاهدت فيلم TheBlind Side و الذي يتحدّث عن لاعب كرة القدم الأمريكية Micheal Oher. يستنِد الفيلم إلى كتاب صدر عام 2006م بعنوان: The Blind Side: Evolution of a Game والذي تناول قصة Micheal Oher المميزة، حيث كان ضمن خطّ الهجوم و يلعب لفريقي بلتيمور رافينس التابع لاتحاد كرة القدم الوطنية. يحكي الفيلم قصة Micheal Oher من تربيته الفقيرة خلال سنوات عمله في مدرسة وينجيت المسيحية وحتى تبنّيه من قبل Sean و Leigh Anne Tuohy. كان Micheal Oher  واحدا من أهم غايات ومطامع كثير من فرق كرة القدم.

السيناريو مليء بالدراما و المشاعر الإنسانية ؛ باليُتم و التشرّد الذي يعيشه Micheal Oher و الغربة التي يشعر بها وسط مجتمعٍ أبيض يحتقر الأمريكان الأفريقيين “السود” و ينبذهم في الطرف الآخر من المدينة. يحكي تعلّق العائلة فرداً فرداً بـMicheal و تقبّلهم لوجوده حتى وصل الأمر بافتخار الابن الأصغر للعائلة به و اعتباره أخاً له. حِرص Leigh Anne على إلحاق Micheal بأفضل الجامعات عبر تطوير و رفع مستواه الدراسي ليمكّنه من الحصول على منحة دراسية من فريق كرة القدم الذي يلعب لأجله، دِفاعها عن هذه الفئة من البشر -الفقراء و الأيتام- حينما احتقرتهم صديقاتها و نقض نظرتهم الدونية لهم. Micheal كافأهم ذات “الانتماء” و المحبة حين ضحّى بنفسه من أجل S.J. في الحادث الذي تعرّضوا له، ثم التحاقه بالفريق التي عُرفت العائلة بتشجيعها و دعمها له.

5 people like this post.


تيــــتا*


يناير 6th, 2010

ماحدَث ليلة الأمس جعلني أسأل نفسي: أنا كنت فين قبل 10 سنوات؟!

حالة التفرّغ من بعض المسؤليات التي أعيشها هذه الأيام؛ فتحت عليّ باباً آخر وهو السؤال عن المحيطين بي، صديقاتي، أخوتي، و أمي. جعلتني أدرك كم كنت “متشاغلة” عنهم كثيراً دون أن ألاحظ ذلك، و إن كنا نهاتف بعضنا أو نتزاور في المناسبات العائلية أو تجمّعات المفاجِئة للصديقات. ما أتحدّث عنه هو التقارب العاطفي بين الآخرين المحيطين بنا، عاطفة أخرى مغايِرة للعلاقة التي تجمعنا بالشريك (صديق/زوج).

كل الذي كان ليلة الأمس -و أيام سابقة- هو ازدياد معيار الشوق لأخي الأصغر، تحدّثنا مطوّلاً عن كل شيء على غير العادة، محادثاتنا سابقاً لم تكن تعدّى السؤال عن الأحوال، و الصغيرين، و الحياة العامة. لكننا هذه المرة تحدّثنا عن مرحلة دراسته للغة التركية و ما بعدها، عن اللغة التي سيختارها لدراسته، و قبل كل شيء التخصص الذي يريده. فوجئت أنه هو الآخر يمرّ بمرحلة البحث عن النفس -تماماً كما كنت- و لم يستطع تحديد وُجهَته، ماذا يريد أن يكو مستقبلاً، و ماهو الشيء الذي يعتقد أنه مُبدع به. و وجدتني أمارس دور الأخت الكبرى لأول مرة، نعم، كانت المرى الأولى التي أسدي نصائح مباشرة لأخي الذي يصغرني خمس سنوات، هذا الفارِق كان حاجزاً كبيراً بيني و بينه.

كِلانا كبُرنا في مجتمع يمارِس السادية الذكورة بشكل عفوي، مجتمع يجعلك تصدّق أن الرجل -مهما صغُر سنه- هو أدرى من المرأة بالحياة و كل شيء!، مجتمع يتقبّل بشكل طبيعي أن يكون فيه الابن و الأخ الأصغر مسؤولاً قانونياً عن الأم أو الأخت الكبرى. فكان من الطبيعي أيضاً وجود فجوة -غير مرغوب بها- بيني و بين أخي، و من العدل أن أعترف أنني لم أحاوِل يوماً ردْم تلك الفجوة أو محاولة التغيير فيما يخصّنا و ما كبرنا عليه؛ رغم السنوات الكثيرة التي عشناها معاً، و الأيام الكثيرة التي كنا فيها وحدنا لخمسة أيام أسبوعياً، و ربما كانت مراهقتي و طفولته سبباً آخر. ما بعد سنين المراهقة؛ انشغلت عنه بحياتي الخاصة، بدراستي، الصغيرين، و أموري الأخرى التي لم أفكّر إشراكه فيها على أساس أنه “أصغر” و أقل خبرة في الحياة. طِوال تلك السنوات لم أكن أعرف أننا في حاجة إلى المشاركة و تبادل الأحاديث مع القريبين ما أكثر من حاجتنا إلى البحث عن الأكبر و الأكثر خبرة فقط.

منذ زمن؛ و حتى ليلة الأمس؛ تمنيت كثيراً أن تكون لي أخت مقارِبة لسنّي، تفهمني كما يجب، و تفهم طريقة تفكيري الغريبة و التي لا تتقبّلها أمي و بقية أخواتي الكبار. و أعتقد أنني وجدت شيئاً من ذلك لدى أخي، وجدتني بلا أي حواجز أخبره عن تخطيطي لإجازتي هذا العام و رغبتي في زيارته قبل الحبس القسري لعشرة أيام -على الأقل- في السعودية. أخبرته عن رغبتي و إصراري على قضاء إجازة مُغايِرة هذا العام و “أبغى أصيع” دون أن أضع أدنى اعتبار للفوارق السابقة و كونه رجلاً و أنني امرأة، دون اعتبار للسنوات الخمس التي بيننا، و أعتقد أنه لم يصدّق مايسمعه حتى أعدّتها في آخر حكايتي.

كانت المرة الأولى التي أشعر فيها بإحساس الأخت الكبرى، المرة الأولى التي أشعِره فيها بخوفي عليه، تشجيعي إياه بأن يثابر في تعليمه أكثر، أن ينتبه لصحته و نفسه و كل التفاصيل الصغيرة الأخرى، و المرة الأولى التي أطلب منه -بشدّة- أن يهاتفني إن احتاج أي شيء في غربته. حديث و توصيات من القلب و أعتقد أنه لامسته فسمعت شهقاته. مانو؛ “أحبك” و فقط

——————–
* تيتا: لفظة متداولة في مجتمعنا “الماليزي المستعرب” تطلق دائماً للأخوات الكبار. و بما أنني أصغر البنات فلم أكن أنادى بها في بيتنا، ناداني بها “مانو” لأول مرة على فيسبوك =]

5 people like this post.


للأول من يناير 2010


يناير 1st, 2010

كتبت في العام الماضي عن الفجر الأول لليوم الأول من العام، هذا العام لم يتسنَّ ليَ انتظار الصباح بعد أن تنازلت عن السهر مراعاة لعينيّ المتعبتَين، آثرت هذه المرة أن أسايِر المرض وأنصاع لنصائح طبيبتي التي ملّت شكواي و زياراتي المتكررة لها خلال عشرة أيام فقط. يكفيني أنها القهوة الأولى صبيحة اليوم الأول من العام.

تُغريني الأشياء الأولى؛ النظرات، الضحكات الأولى، الأحاديث الأولى المتبادلة، المشاكسات و القفشات الأولى، كل تلك الأشياء التي تفاجِئنا و لا نكون حينها قد صففنا مشاعرنا قبلها، الحب الأول في سنين مراهقتنا الساذجة دون أن ننساها، و الصرخات الأولى للحفيدة الأولى. فرحي بالأشياء الأولى ربما كان سرّه وجودي في آخر قائمة البنات عند والدَيّ، و هو ما لم يرُق لي؛ فكنت أول مَن كسر قوانين عائلية كثيرة.

لا أريد مراجعة تدوينات عامي السابق، لا أعتقد أنّ فيها ما يبعث على كثير من التفاؤل أو مايجعلني أفخر بإنجازه. عام في مجمله كان عصيباً من شتى النواحي، تكاسلت كثيراً عن هواياتي اليدوية و اندمجت كثيراً في القراءة و مشاهدة الأفلام نتيجة تغييرات طرأت على أوقات عملي مما أثّر كذلك على صحتي و الصغيرين و انشغالي عن أمور اجتماعية كثيرة. عملي الذي فقدت التركيز فيه بشكل كبير و كثرة إجازاتي و تتاليها بشكل لم يعتد عليه مديري، و أعلم أنه سيذكر هذا الأمر في اجتماعي به الأسبوع المقبل حيث يقوم بتقييم أداء كل موظف. و الطريف في الأمر أنني بجانب عملي الأساسي كنت مسؤولة عن تدريب الموظفين الجدد و مراقبة التزامهم بجداول الحضور مع كثرة تغيّبي – باب النجار مخلّع – المهم أنني مستعدّة نفسياً من الآن لكل ما سيقوله. ربما كان إنجازي الأكبر للعام السابق هو حرصي على تعليم أطفالي أكثر، جمع بيننا العام الماضي في أيام و أوقاتٍ كثيرة، و إن كنت أشعر أنني فقدت زمام تحكّمي بهم في الأيام الأخيرة، خاصة عندما يستغلّون فترات نومي الطويلة -رغماً عني- في اختراع أمور قد لا تخطر على بالكم، و تفجّرت مواهبهم بشكل غير متوقّع ليثبت لي مجاهد كم هو “حلاق” فاشل حينما قرر قصّ شعر دانة و قام في حقيقة الأمر بتشويهة، مما اضطرني إلى طلب قصّه أكثر على طريقة مغنيي الـrock كحلّ عابر. مجاهد بدأ عامه الخامس و بدأت مشاكساته شكلاً أكبر من سيطرتي و توقّعاتي، فمنذ سنين كنت أراه العاقل المؤدب، و في الشهور الأخيرة انقلبت الآية و أصبحت دانة أكثر تعقلاً و طواعية.

أكثر الأمور التي نفّذتها و راقتني؛ هي إلزام نفسي بكتابة اليوميات، ابتدأتها متأخرة كقرار ارتجالي على facebook وأنهيتها في اليوم الأخير من ديسمبر. لا أتذكر سبب بداية اليوميات بذاك الشكل؛ لكنها كانت تجربة جميلة درّبتني على الكتابة المكثفة و بشكل يومي، على الأقل هناك التزام بالكتابة و التزام أكثر بالقراءة و استشعارها، قررت أن أكمِل ما ابتدأته على شكل آخر.

قررت بنهاية العام السابق التخلي عن الكثير من عاداتي السيئة؛ أعتقد أنني نجحت في بعضها و أخفقت في أخرى، قللت أكواب القهوة من ستة إلى ثلاثة في اليوم و ألزمت نفسي بأن لا كوب قهوة آخر بعد السادسة مساءً. قررت الخروج للعالم أكثر، تفاعلت مع الموظفين في النشاطات التي تقوم بها الشركة؛ و اكتشفت أنّ الغرباء ليسوا سيئين دائماً. مازلت غير قادرة على تذكّر إزالة عدساتي اللاصقة قبل النوم؛ و ربما كان التهاب عينيّ وجهاً من أوجه اعتراض عينيّ على إهمالي لهما. بقِيَت عادة واحدة توقّفت عنها -مرغمة- لبضعة أيام و عدت لها، و قررت اليوم التوقف عنها نهائياً.

على الرغم من العثرات التي حصدتها العام الماضي؛ إلا أنّ تفاؤلاً عجيباً يسكنني هذه الأيام. إيمان و رضا مبثوثان في قلبي، ربما كانت تحقيقاً لدعوات أمي و دعائي المستمرّ بـ”اكتب لي الخير حيث كان و رضّني به”. الرضا؛ ذاك الشيء العسير على مزاجي المتقلّب و كثرة الشروط التي أمليها على نفسي و مَن حولي. قد يسمّيها البعض يأساً حين أقول لهم: كم أتمنى الموت في سن الثلاثين، ليس يأساً من الحياة أو متاعبها على قدر ماهو أملٌ بما عند الرحمن، و مؤمنة بأنّ مابين العُسرين يُسر و ما بعد العسرين يسراً “إنّ مع العُسرِ يسراً – إن مع العُسرِ يسراً”.و لأنني مؤمنة بأنني قد أنجزت ما عليّ فعله في السنوات الماضية و حان الوقت لأسلّم المهمة لآخر كان طرفاً في خلق تلك المسؤولية، إيماني بأنني قد تركت أثراً في كل مكان كنت فيه، بصخَبي و مشاكساتي و بنجاح المهمّات الموكَلة لي. و ما أخفقت فيه أو انسحبت منه كان لمعرفتي أنني غير قادرة على إتمامه مذ عرفته، و لن أُرغِم نفسي على فعل ما لا تروق.

صباحكم رسائل شوق و “ولهْت عليج”
صباحكم تفاؤل و رضا و طمأنينة
صباحكم نسماتُ الفجر الأول من يناير (F)

6 people like this post.