ألزهايمر، غازي القصيبي


يناير 26th, 2012

 

هذه الفكرة، على الأخص، هي التي تسبب لي الكآبة. أن أصبح رجلاً بلا ماضٍ، بلا ذكريات، بلا أمس. تصوّري! أن ينسى الإنسان ابتسامة أمه المضيئة، أن ينسى ملامح أبيه الرضيّة، أن ينسى كل صديق عرفه،…

 تخيّل نفسك تستيقظ ذات صباح بلا ذاكرة جزئية أو كلية؟
تخيّل أن تنسى أصدقاءك، مكان عملك، قرينك، أبناءك؟
تخيّل بعد كل ذاك أن تنسى مَن أنت، و كيف كانت حياتك؟

استعرضي الكتب العربية الجديدة وعندما تجدين في سنة من السنين , أن عدد الكتب التي تتحدث عن المستقبل من المحيط إلى الخليج تجاوز خمسين كتاباً تفاءلي بالخير واعلمي أننا بدأنا نتحرر من شبكة الماضي العنكبوتية , حقيقة لا مجازاً , ومع ذلك فأنا أعلن أن انتظارك سيطول .. ويطول !

غازي -رحمه الله- يصوّر حياة يعقوب العريان في رسالة خطّها لنرمين زوجته التي جاءت متأخرة بعد زواجه الأول الفاشل. راقتني الطريقة التي سرد فيها إصابة يعقوب بالمرض، لقاءاته و حكاياته في المصحّة/ المنتجع المخصص للمصابين بالمرض ذاته. تلك الحكايات كانت توحي بصعوبة بالغة في تذكّر ما لا يجب نسيانه، التفاصيل الصغيرة المتشاركة بين أي اثنين و التي لا يعبئا بأهميتها غالباً لتشكّل طرفاً أساسياً في حياتهما. الوجوه المتعاقبة كل يوم على المريض و التي يظنّ فيها أنه يراها للمرة الأولى. محاول التذكّر العنيفة حتى في لحظات الوِحدة؛ هي الأقسى دائماً.

لم أنس, قط, عيد ميلادك. يالله! أنت تصغرينني بربع قرن! لم أنس, قط, تاريخ زواجنا
ولكن, رجاء, لا تسأليني, الآن, عن هذا التاريخ.
الارقام! أَسْر الأرقام !
أسوأ أسر يمكن أن يقع فيه إنسان.
أسوأ من (قصر النهاية), ومن سجون (السي آي إيه)الطائرة بين الدول, ومن قلعة (جوانتنامو)القابعة في كوبا, هدية (دبليو) لبشرية معترفة بالجميل.

أسر الأرقام! أن يأسرك كونك ابنة العشرين فلا تتصرفين إلا كما تتصرف ابنة العشرين

ما كتبه غازي -رحمه الله- ذكّرني بقصة Ally و Noah في The Notebook التي كانت تسرد معايشة Noah لحالة ألزهايمر التي مرّت بهما Ally و قصّه عليها كل ليلة حكايتهما عليها، حتى اللحظة التي تذكّرته فيها.

و أكثر وجعاً من ألزهايمر أولئك الذين تقتصِر ذاكرتهم على يومٍ واحد، يقابلون اليوم ذات الأشخاص الذين قابلوهم بالأمس و هم يظنون أنهم أناساً آخرين. في مادة سمعية نقلها مالك نجر حكت قصة اثنين؛ ظنّت فيها الفتاة أن هناك شيئاً مثيراُ في علاقتهما؛ الحكايات المتجددة كل يوم، اللقاءات الممتدة لعام أو أكثر.. كانت تجربة مؤلمة رغم تطعيمها بالمواقف الجميلة. أكبر ألم يمكن تصوّره أن لا يتعرّف إليكَ -مجبوراً- مَن تحب، أن تكون في نظره ذات يوم مجرّد فردٍ من ذلك الحشد الذي يقابله كل يوم.

“هذا مرض جميل! تقابل الأشخاص أنفسهم وتظن أنك ترى وجوهاً جديدة كل يوم” الرئيس الأمريكي رونالد ريجان

في الزمن الذي كان يشتدّ وجع الروح و الذاكرة؛ كنت أتمنى لو أنسى، لو أن أفقِد حيّزاً من هذه الذاكرة المتخمة بالأشياء و المواقف السيئة. عدلتُ عن هذه الفكرة بعد قراءتي لهذه الأقصوصة.. نوعاً ما. و الأصح؛ أنني خِفت أن يأتي اليوم الذي لا أملكُ فيه شيئاً يُحكى للصغيرين، حتى و إن كانت ذكرى سيئة متعلّقة بحبيب، موقفٍ مخجلٍ في فترة العمل، أو حتى نظرة الخيبة التي رأيتها في وجهِ أمي يوم تركي للدراسة.

النسيان غير المحدود حتى للحظات السيئة موجِع. ذاك الألم الذي نرجو نسيانه سيتحوّل ذات يومٍ إلى نكتة طريفة نلقيها على الآخرين.. نحن نحتاج تلك النكتة لنشفى كليّة!



غريبَين..


يناير 24th, 2012

20120124-042012.jpg

كانت لأشهرٍ طِوال؛ تنتظر. رغم الفِراق، رغم إخبارها بأن ما حدَث هو الأفضل، رغم عِلمها أنها لن تحبّه -كما سبق- إن هو عاد.. لكنها أصرّت أن تنتظر.

تعدّ الزمن الذي قارَب العام، بأسابيع قليلة تفصِل عن ذكرى العام الأول لهما. تُلقي نظرة أخيرة على الكِنزة التي كانت تخيطها، لترتديها في لقائها إياه. تعلم يقيناً أنها لن تلتقيه. و إن حدث و التقيا، لن ترتديها.

ما عاد هو الذي تعرف، و ما عادت هي التي عرف.. كما التقيا قبل عام؛ هما الآن مجرد غريبين.. لا يعني أحدهما من حياة الآخر شيئاً.



إلى “ع” مع التحية (1)


يناير 11th, 2012

- 1-

ثمّة ألم يتحرّش منذ أمَدٍ، منذ أن حملنا حقائبنا ذات صباح و فرّقتنا طائرات. ثمّة جرحٍ زرعتَه -عمداً- في جنباتِ القلب. تشاغَلتَ عنه زمناً، و عِشتَ، كأن الأمر لا يعنيك.
أتت أخرى تداويه، تواريه، تواسيه، تهدهِده، تحبّه أكثر منك؛ علّه يبرأ.. لكنه، ما برأ. عطَفت تخفيه فيه ركن قصيّ من الذاكرة، من الحياة؛ علّه يُنسى.. و ما نسى!

- 2 -

زاهٍ هذا الصباح بمجرد أن مرّ وجهك فيه.
زاهٍ هذا الصباح حين آثرتٓ أن يبتدئ بك، صوتكٓ، عطرك، أنفاسك.
زاهٍ هذا الصباح و أنتَ تُقاسِمني إياه بقهوة و سيجارة. دونما تكلّف؛ تعيدني إلى الصباحات البحرية التي قضيناها معاً.

هناك أنت؛ تتربع عرش الذاكرة. رغم تعثّرك بالاحتفاظ بي..

- 3 -

بين كل ما حدث، و يحدث الآن أتساءل؛ ما الذي أعادَك مرة أخرى؟
ما تريد بأنثى لا تجد مُبرراً واحداً للحياة؟ ما تريد بأنثى تُبقي تحت وسادتها مِشرطاً صغيراً، تهدد به طيوراً بيضاء كلّما حلُمَت؟ ما تريد بأنثى تصبِح و تُمسي تبتهِل إليه، لأجلك. و تنسى..
ما تريد بي و أنا الأنثى التي أفنَتْ عمرها ترثيك، ترثي حيّاً “ما” مات!

- 4 -

أكثر حقائق الحياة ألماً؛ أن كُتِب علينا أن نلتقي، لا أن نكون معاً.

- 5 -

يُذهِلني الآن أنك تنكأُ جرحكَ السابق، تُحدِث نتوءاتٍ حوله، تخدِش جلده الطريّ. يصعقني أكثر أنّك تؤذي قلباً كنتَ له يوماً الطبيب المداويَ.

- 6-

مُذ آثرت البقاء على الطرف الآخر من الأرض و نحن نمتهِن الكذِب كلما تكلّمنا.
مُذ آثرت مشاهدة تحطّم حلمنا عن بُعد؛ و أنت توهِمني ندَمك على غيابك، و أوهِمكَ بالصفح عنك..
مُذ ساقنا الحنين إلى بعضَينا؛ و نحن نكذب، نتظاهر أننا نسينا وجعاً قديماً..
لو أننا نسينا ما كنا هنا يا عزيزي.. أبداً!

- 7 -

حين تغادر، تغيب، ترحل حاشراً في حقائبك غزلاً و شوقاً وحباً و حناناً كان ذات يوم يُغدق عليّ /”لي”.. ألا يسوؤك أن تمنحه أخرى؟

- 8 -

حسناً؛ سأعترف هذه المرة أن حضورك باتٓ مُربكاً. و أنني -بنفس الغباء- أرقص فرحاً إذا ما رأيت اسمك في مكانٍ ما..
هذه المغرورة التي ما استطاع أحدٌ الاستئثار بها -قبلك و بعدك- تسعد بكل التفاصيل الصغيرة التي تمارسها دون أن تلحَظ ذلك. هي الآن لا تفعل شيئاً سوى محاولات عقيمة لنسيانك، و الابتعاد عنك، و تجميع ما كسرته أنت. في حين تمضي بعيداً، و تعود لتنبش ذاكرتها مراراً دون عناء. هي الآن تروي قصتها معك -كلما سألوها عنك- و تمسح باليسرى دمعة تتكون على مهل.. و تمضي!
تتساءل: كيف وافقكَ قلبكَ أن تكونا قصة، مجرد قصة، و قد كنتما معاً طرَفا حياة؟

مضحِك أنني بعد كل هذه المسافة الزمنية، و كل ماحدث؛ يقال لي: ما زلتِ تحبينه؟ أم ما زلت موجوعة؟
كيف يجتمع حبّك بوجع؟

- 9 -

كـ ديمة؛أقبلتَ
أمطرتَهم، روَيتَهم..
و حملكَ هواء
غابَ عنه نبتٌ صغير ما ارتوى!

- 10 -

و مازلتُ أتساءل؛ بأي حق منحتك الحياة دوريَن فيها، أن تكون أسوأ الأحداث و أبهاها في حياتي؟



مُذ غادرتِ


يناير 8th, 2012

20120108-144323.jpg

منذ الصباح و أنا أتجاهل رغبة الكتابة، توازي رغبة طلب رقم هاتفك وسماع صوتك. منذ الصباح و أنت لا أمارس شيئاً غير الكسل. منذ الصباح و أنا أعالِج شوقاً لم ينقطع مذ غادرت دون أن نتوادع. دون أن أحكي لك آخر عثراتي، دون أن تواسي قلبي.

كيف تغادرين هكذا؟
ألا تذكرين أننا ما التقَينا منذ ثلاثة أسابيع؟
كيف تُغادرين و نحن قد اتفقنا قبل رحيلك أن نجلِس معاً، أن نحكي، أن نثرثر عقب الليالي التي حُبِس فيها الكلام.
كيف تحملين نفسكِ بعيداً بعد أن سمِعتِ الحشرجة في صوتي و نحن متّجهين للصلاة على صديقة أخرى؟ وحين التقَتْ أعيننا، أومأتِ. أكنتي هكذا تودعينني؟
كيف ترحلين بعد أن قرأتِ الخوف في صوتي؟ كيف بعد أن أخبرتك أن حكاية ما عالقة بيننا.
كيف تغادرين وحدك و أنا التي كنت أردد أمنية الموت في سن الثلاثين؟ قلتُ أنا، لا أنتِ!
لا أريدك أن تكوني أنا في هكذا مواقف.. أبداً.
كيف تحملين نفسكِ بعيداً دون أن تحملي معكِ ذاكرة امتلأت تفاصيلها بوجهكِ، صوتكِ، نكاتكِ.
كيف -هذا ببساطة- تغادرين و نحن قد اتفقنا أن نحتفل بأعياد ميلادنا معاً؟ كيف تسمحين لهم أن يحتفلوا بي من بعدِك، دونكِ!

مرّت ستة أشهرٍ يا صديقة، و الشوق؛ ذات الشوق. ذات الرهبة من الاقتراب للأماكن التي جمعتنا. ذات البكاء يقتحم باب غرفتي و يفترِش ركناً، و لا أعرف كيف أخرِجه دونكِ. ذات الوجع، الصدمة، الحُرقة. هنّ يخبِرنني بما حدث.. و لا أصدّقهنّ.

مذ ذاك و أنا أخاف الأمنيات، أخاف اعتلال إحداهن، أخاف رائحة الموت المتسلل بيننا. أخاف العثور على قلب يحبني مثلك، و يرحل!



الصغيرة التي تكبُر..


يناير 5th, 2012

 في الفترة ذاتها من العام الماضي، أتذكّر أنني بكيت و زارني نفس الشعور المكتئب الذي يغلّفني هذه الأيام. لا أدري في الحقيقة إن كان اكتئاباً أم خوفاً، أو شيئاً آخر. سأدع تسميته للذين مرّوا بهذه التجربة قبلي.

يوم أمس كان اليوم الأول لدانة في مرحلة الـPre-school (التمهيدي/ثانية روضة/ KG3…الخ) المهم أنها السنة التأهيلية لبدء المدرسة في السنة القادمة.

من الآخر؟ بكيت! و مازلت أبحث عن مبرر حقيقي لبكائي في هكذا مواقف، بدءاً من رؤية مجاهد في السنة الأولى العام الماضي، و حتى رؤية دانة في فصل التمهيدي. كانت هادئة و مندمجة مع بقية الأطفال. على العكس مني أنا التي كنتُ بالكاد أتماسك أمامها، أنا التي طلبت من مدرّستها السماح لي مرافقتها في فصلها ليوم أمس فقط رغم عدم حاجتها إليّ. ظللتُ أراقبها من الخارج رغم حرارة الجو يوم أمس، انتظرت فترة الاستراحة الخاصة بها لأفاجأ أن عليها أن تُفطِر مع بقية أطفال سنها لا أطفال المدرسة. و أعتقِد أنني وضعت قلبي جانبي وقت توديعها بعد أخذ مجاهد للإفطار.

العجيب أن أمي كانت تبكي كذلك و أنا أحكي لها تفاصيل يوم أمس، ماذا فعلنا و كيف كانت. يبدو أننا نحن الأمهات ببساطة نخاف نموّ أطفالنا، نخاف أن تؤذيهم الحياة، نخاف تكرار التجارب السيئة قبل أن نتمكن من تحذيرهم.

- ماما ليش تشيليني؟ أنا خلاص كبرت.
- عشان الشمس حارة و انتِ تمشي بطيء
- طيب مايسير ناس يشوفوا ماما تشيليني

هه! الصغيرة التي ما كانت تزيد عن شبرين و نصف بدأت تعرِف كيف تحافظ على بريستيجها أمام الآخرين. بدأت تكبر.. أكبر من يدي!