
هذه الفكرة، على الأخص، هي التي تسبب لي الكآبة. أن أصبح رجلاً بلا ماضٍ، بلا ذكريات، بلا أمس. تصوّري! أن ينسى الإنسان ابتسامة أمه المضيئة، أن ينسى ملامح أبيه الرضيّة، أن ينسى كل صديق عرفه،…
تخيّل نفسك تستيقظ ذات صباح بلا ذاكرة جزئية أو كلية؟
تخيّل أن تنسى أصدقاءك، مكان عملك، قرينك، أبناءك؟
تخيّل بعد كل ذاك أن تنسى مَن أنت، و كيف كانت حياتك؟
استعرضي الكتب العربية الجديدة وعندما تجدين في سنة من السنين , أن عدد الكتب التي تتحدث عن المستقبل من المحيط إلى الخليج تجاوز خمسين كتاباً تفاءلي بالخير واعلمي أننا بدأنا نتحرر من شبكة الماضي العنكبوتية , حقيقة لا مجازاً , ومع ذلك فأنا أعلن أن انتظارك سيطول .. ويطول !
غازي -رحمه الله- يصوّر حياة يعقوب العريان في رسالة خطّها لنرمين زوجته التي جاءت متأخرة بعد زواجه الأول الفاشل. راقتني الطريقة التي سرد فيها إصابة يعقوب بالمرض، لقاءاته و حكاياته في المصحّة/ المنتجع المخصص للمصابين بالمرض ذاته. تلك الحكايات كانت توحي بصعوبة بالغة في تذكّر ما لا يجب نسيانه، التفاصيل الصغيرة المتشاركة بين أي اثنين و التي لا يعبئا بأهميتها غالباً لتشكّل طرفاً أساسياً في حياتهما. الوجوه المتعاقبة كل يوم على المريض و التي يظنّ فيها أنه يراها للمرة الأولى. محاول التذكّر العنيفة حتى في لحظات الوِحدة؛ هي الأقسى دائماً.
لم أنس, قط, عيد ميلادك. يالله! أنت تصغرينني بربع قرن! لم أنس, قط, تاريخ زواجنا
ولكن, رجاء, لا تسأليني, الآن, عن هذا التاريخ.
الارقام! أَسْر الأرقام !
أسوأ أسر يمكن أن يقع فيه إنسان.
أسوأ من (قصر النهاية), ومن سجون (السي آي إيه)الطائرة بين الدول, ومن قلعة (جوانتنامو)القابعة في كوبا, هدية (دبليو) لبشرية معترفة بالجميل.أسر الأرقام! أن يأسرك كونك ابنة العشرين فلا تتصرفين إلا كما تتصرف ابنة العشرين
ما كتبه غازي -رحمه الله- ذكّرني بقصة Ally و Noah في The Notebook التي كانت تسرد معايشة Noah لحالة ألزهايمر التي مرّت بهما Ally و قصّه عليها كل ليلة حكايتهما عليها، حتى اللحظة التي تذكّرته فيها.
و أكثر وجعاً من ألزهايمر أولئك الذين تقتصِر ذاكرتهم على يومٍ واحد، يقابلون اليوم ذات الأشخاص الذين قابلوهم بالأمس و هم يظنون أنهم أناساً آخرين. في مادة سمعية نقلها مالك نجر حكت قصة اثنين؛ ظنّت فيها الفتاة أن هناك شيئاً مثيراُ في علاقتهما؛ الحكايات المتجددة كل يوم، اللقاءات الممتدة لعام أو أكثر.. كانت تجربة مؤلمة رغم تطعيمها بالمواقف الجميلة. أكبر ألم يمكن تصوّره أن لا يتعرّف إليكَ -مجبوراً- مَن تحب، أن تكون في نظره ذات يوم مجرّد فردٍ من ذلك الحشد الذي يقابله كل يوم.
“هذا مرض جميل! تقابل الأشخاص أنفسهم وتظن أنك ترى وجوهاً جديدة كل يوم” الرئيس الأمريكي رونالد ريجان
في الزمن الذي كان يشتدّ وجع الروح و الذاكرة؛ كنت أتمنى لو أنسى، لو أن أفقِد حيّزاً من هذه الذاكرة المتخمة بالأشياء و المواقف السيئة. عدلتُ عن هذه الفكرة بعد قراءتي لهذه الأقصوصة.. نوعاً ما. و الأصح؛ أنني خِفت أن يأتي اليوم الذي لا أملكُ فيه شيئاً يُحكى للصغيرين، حتى و إن كانت ذكرى سيئة متعلّقة بحبيب، موقفٍ مخجلٍ في فترة العمل، أو حتى نظرة الخيبة التي رأيتها في وجهِ أمي يوم تركي للدراسة.
النسيان غير المحدود حتى للحظات السيئة موجِع. ذاك الألم الذي نرجو نسيانه سيتحوّل ذات يومٍ إلى نكتة طريفة نلقيها على الآخرين.. نحن نحتاج تلك النكتة لنشفى كليّة!



